من نحن - اتصل بنا

الازمة المالية والبديل الثالث( سقوط الرأسمالية )

تأليف المفكر الاسلامي – العلامة الدكتور عبد اللطيف الهميم
المقدمة..
لم اشأ الكتابة في موضوعة الازمة الاقتصادية التي يعانيها العالم اليوم لانني سبق وان كتبت في هـذا الموضوع من خلال العديـد من الكتب التي الفتها مثـل ( الدولة ووضيفتها الاقتصادية فـي الفقه السياسي الاسلامي ) وكتابي ( الاقتصاد الاسلامي المرتكزات والاهداف ) وكتابي ( من يحكم امريكا ) وتحت الطبع كتاب ( عالم ما بعد امريكا ) وغيرها من البحوث والدراسات.
ومنـذ عـام 1988 ذكرت في كتـاب ( الدولـة ) انه يكفي يوم واحـد من الانفتاح ومن امكانية ما للقيام بعمل مشتـرك حتى تتحول شكوكيت العجـز لـدى الاتحــاد السوفيتي الى مطلـب ثـوري للتغييـر وهـذا ما حـدث وقلت فيه ايضاً انه يكفي يـوم واحد لان ينظر العالم الى الدولار على انه ورق ( بنكنوت ) حتى تنهار الرأسمالية وعندها لن تنفع قوانين ( كينز ) في ( مضخة الرواج ) الرأسمالية ولن تشفع لها.
ان الذي دعاني في هذا الوقت للكتابة في هذا الموضوع هو خطاب بوش بتاريخ 10/10/2008 والذي حاول فيه تحميل مسؤولية الازمة الاقتصادية الحالية على اكتاف العالم في تضليل واضح ذلك لاننا نعتقد وبيقين ان اسباب الازمة ومن يتحمل مسؤوليتها هي الادارة المالية للرأسمالية بقيادة امريكا وتلك السياسات الاقتصادية الحمقاء التي ادت الى هذه النتائج وبالتالي فأن الاقتصادات الثلاث الكبرى وهي الاقتصاد الامريكي والياباني والاوربي هي المسؤولة عن هذا الانهيار الكبير.. صحيح ان العالم كله لن يكون بمنئى عن تأثيرات هذه الازمة بشكل أو بأخر ومرد ذلك أيضاً تتحملها السياسات المتهورة للادارة الرأسمالية بقيادة أمريكا بأعتبارها ناتجاً لسياسات العولمة حيث تداخلت الاقتصادات العالمية وبشكل غير قابل للفرز.
الازمات الدورية
قد يبدوا ولاول وهلة ان هذه الازمة لا تختلف عن الازمات الدورية التي تضرب الاقتصاد الرأسمالي بين فترة واخرى خصوصاً اذا علمنا ان الرأسمالية في عديد من البلدان قد مرت بــ 117 أزمة خلال الاربعين عاماً الماضية الا ان هذا التصور لا يخلوا من السذاجة والتبسيط ذلك لان الازمة الحالية ازمة معقدة ومركبة لان عناصرها تتكون من ثلاث مفاصل:
1. الازمة المالية.
2. ازمة الطاقة.
3. الازمة الغذائية.
وبالتالي فأن هذه الازمة مرشحة لان تكون ليست فقط ازمة اقتصادية وانما ازمة انسانية لانها دونها كل الازمات الاقتصادية.
ان هذه الازمة تفصح عن اختلالات بنيوية وهيكلية في الاقتصادات الرأسمالية وعن خلل فاضح في الجهاز التحليلي الناظم لها فأن عدم كفاءة جهاز الثمن وغياب المنافسة البناءة كان العامل الأساسي في انهيار المذهب الفردي الحر ومظهره النظام الرأسمالي التقليدي ذلك، لأنه أدى الى ظهور عيوب كثيرة تمثلت في ظهور الازمات، وتفشي البطالة، وبروز الاحتكارات الكبيرة والتفاوت في الدخول والثروات.
فعلى صعيد الازمات وتفشي البطالة كان التقليديون يعتقدون ان النظام الرأسمالي يتفق مع طبيعة الاشياء تلك الطبيعة التي تؤدي الى التوازن المنشود في الحياة الاقتصادية، ولكن الواقع اثبت ان ثمة اضطرابـات حـادة ألمـت بالنظـام الرأسمالـي وكانـت تتـم وبشكـل دوري اصطلـح الباحثـون الاقتصاديون على تسميتها بالازمات الاقتصادية الدورية.
ان السبب الرئيسي لحدوث الازمة كما يفسرها مفكروا الاقتصاد الغربي هو اختلال التوازن بين الانتاج والاستهلاك ولعل أول هذه الاسباب المؤدية الى هذا الانفصال هو ان الطلب على الاستهلاك لا يكون كافياً عند المستويات العليا من التشغيل في الدولة الرأسمالية الصناعية لمقابلة الزيادة في الدخل وهو ما يعني ضرورة البحث عن استثمارات جديدة لتحقيق المستويات العليا من التشغيل وهذا ما قرره (كينز) في نظريته المشهورة عن البطالة. اما الاقتصاديون الاشتراكيون وعلى راسهم (ماركس) فيرون ان الازمة كامنة في طبيعة النظام الرأسمالي وآليته ومن ثم فهي ظاهرة طبيعية في هذا النظام ويعللون الازمة بالافراط في الانتاج بمعنى ان هناك سلعاً كثيرة انتجت ولا تجد لها مشترياً، وليس الافراط في الانتاج هو العامل الرئيسي بل اتجاه الصناعة نحو التركيز في وحدات كبيرة الحجم قليلة العدد التي أدت الى استخدام الالة بدلا من العمالة اليدوية مما ادى الى ظهور جيش من العاطلين تبعه انخفاض في اسعار السلع واحلال المزيد من الالات محل العمالة، وظهور البطالة مرة اخرى وعندها تتم هذه الدورة البائسة المظلمة كما يسميها (ماركس) وتتوالى الازمات الدورية القاتلة.
واياً ما كان تعليل الازمات الاقتصادية وتحليل اسبابها فان هذه الازمات قد ارتبطت بحدوث الظواهر التالية:
أ‌- انخفاض الدخل الفردي والذي يؤدي الى قلة الطلب فتنخفض الاسعار وينقص المتداول من النقود، وتحجم البنوك عن تقديم الائتمان.
ب‌- وفي الازمات الشديدة تعلن العديد من المستودعات افلاسها وانسحابها من السوق مما يدفع الى ظهور البطالة الذي بدوره يؤدي ايضاً الى انخفاض الطلب، وانخفاض جديد في الاسعار.
ت‌- امـا تلك المشروعات التي يمكنها المقاومة فانها تضطر الى تسريـح عـدد كبيـر مـن العمال، وتخفيض اجور العمال، وقد اشرت الاحصاءات انه بين 1918 و 1938 بقي حوالى 10 % من الطبقة العاملة بلا استخدام طوال عشرون عاماً.
وقد دلت الدراسات الاقتصادية على ان هذه الازمات هددت الحياة الاقتصادية في التواريخ الاتية: 1815 ، 1825 ، 1847 ، 1857 ، 1866 ، 1873 ، 1882 ، 1890 ، 1900 ، 1907 ، 1913 ، 1920 ، 1959 . وهذا ما حدا بـ ” الغارديان ” ان تكتب وتحت عنوان افلاس الاقتصاد السياسي عقب ازمة 1929 : (( اننا نعرف سرعة حركة الكهرباء خيراً مما نعرف سرعة تداول النقد ونعرف عن دورة الارض حول الشمس ودورة الشمس في الكون أكثر مما نعرف عن الدورة الصناعية )) .
وفي الحقيقة فانه بغض النظر عن السبب في هذه الازمات الاقتصادية الا انه من المؤكد ان هناك صدعاً في التفسير النظري الاكاديمي للرأسمالية نفسها ذلك ان حركة عناصر الانتاج بعيدة جداً عن الكمال فهي لا تخضع تواً لمؤشر الاسعار وبذلك لا يتحقق التوافق الفوري بين العرض والطلب وبين الانتاج والحاجيات وحتى نضع القارء في صورة ما جرى ويجري لابد لنا من دراسة الرأسمالية وتطورها بداً من المذهب الفردي مروراً بالمذهب الاجتماعي الذي قاده ( كينز ) وانتهاءاً بالنظام الرأسمالي الانكلو سكسوني الذي أسس له ريغان و تاتشر والذي يعد عودة فوضوية الى الرأسمالية التقليدية.
المذهب الفردي
إن مقتضى هذا المذهب هو غل يد السلطة ( الدولة ) من التدخل في الشؤون الاقتصادية، واعتبار الفرد هو الغاية من النظام الاقتصادي ويحاول هذا المذهب أن يتيح أكبر قدر من الحرية للفرد لتحقيق المنافع التي تعود عليه، وهو لا يرى اي تعارض بين مصلحة الفرد، ومصلحة الجماعة بل كلا المصلحتين متوافقة ومنسجمة، ومن هنا تحددت وظيفة الدولة في العمل الجماعي فحسب دون أي تدخل في الحياة الاقتصادية، ولا في محاولة تغيير مواقع الأفراد ومراكزهم، فالدولة لا يجوز لها أن تتدخل في الحياة الاقتصادية بل يجب أن تتركها حرة للنشاط الفردي فيمتنع عليها إقامة المشروعات الاقتصادية، كما أنه يجب ان تترك المشروعات الخاصة حرة فتكون لهم حرية الانتاج، وحرية التوزيع، وحرية تحديد الأثمان وحرية الاستهلاك، وحرية ادخار القيم النقدية والمادية. وحرية الاستعمار لا تحكمها إلا القوانين الطبيعية كما لا يجوز للدولة أن تجري أي تخطيط اقتصادي حتى لو كان هذا التخطيط علميأ ومدروسأ يعتمد على الاحصاءات والبيانات، وليس لها أن تتخذ اي تدابير لتوجيه العمل والانتاج نحو وجهات معينة، كما لا يجوز لها أن توزع الخيرات بين أبنائها أو تحث الأفراد على الادخار والاستثمار. ولعل ابرز مظاهر عمل الدولة، أو وظيفتها حسب هذا المذهب تتمثل في الآتي:
1. حماية الدولة نفسها من أي اعتداء يقع عليها، ودفع الأخطار الخارجية التي تهدد سلامة الوطن.
2. المحافظة على سلامة الشعب، وكفالة الامن والنظام والاستقرار في ربوع البلاد.
3. حماية الممتلكات الخاصة وتدعيم الملكية الخاصة.
4. حماية مراكز الأفراد ومواقعهم.
5. حماية الصفة الإلزامية للعقود، والالتزامات الناشة عنها.
وفيما عدا هذه الوظيفة تترك الدولة للأفراد حرية ممارسة، أوجه النشاطات الأخرى اقتصادية كانت، أو ثقافية، أو اجتماعية وتقوم بدور الرقيب، والمشرف على هذا النشاط حتى لا يتعارض مع وظيفتها الاساسية الذي هو تحقيق الأمن في الداخل ورد الاعتداءات الخارجية.
وقـد انتشر هذا المذهب في القرن الثامن عشر باعتباره ثمرة من ثمـار الاتجاه الاقتصادي الحر الذي رفع شعار (( دعه يعمل دعه يمر )) والذي تزعمه ( آدم سمث )، ( وريكاردو )، ( ومالتس )، و ( باتست ساي ) ، كما انه ثمرة من ثمار جهود الفلاسفة والمتعلق بالحريات السياسية والذي تزعمه ( لوك ) ، وشاركه ( بينتام ) ، و ( سبس ) .
وقـد ظهر المذهب الفردي باعتباره رد فعـل على السياسة ( المركانتيليـة ) (1) ، والتي سـادت أوربا لثلاثة قرون، وكانت هذه السياسة تقوم بالاساس على مبدأ تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، وترى وجوب بذل أقصى الجهد لتقوية الشعب واغنائه، وتحقيق الرفاهية لـه، وان وسيلـة تحقيق ذلك لا يتـم إلا بامتـلاك اكبـر كميـة من المعـادن الثمينة، لأنها هي الثـروة الأساسية للمجتمع، ولمـا كانـت كـل دولـة تعمل على تجميع أكبر كمية ممكنة من المعادن الثمينة – حتى تضمن لشعبها الرفاهيـة فـأن مصالح الـدول ستتعارض فيمـا بينهـا، وستعمل كـل دولـة علـى إغنـاء نفسها، وافقار الدول الأخرى، لأن المعادن الثمينة محدودة، وفي سبيل تحقيق هذه السياسة يصبح من الواجب على الدولة ان تتدخل، لأنها اقـدر من الأفـراد على ممارسة هذه الأعمال، وتحقيق تلك الغاية.
ولكـن هـذه السياسـة قـد أدت إلـى أخطـاء عديـدة علـى الصعيـد الاقتصـادي فقـد كانـت السبـب فـي تقلـص النشـاط الصناعـي، والزراعـي، والتجـاري، وأصبحـت سياسـة خانقـة تعـرض التطـور فـي مختلـف الأنشطـة الحياتيـة للخطـر، وكذلك هو الحال على الصعيد الفكري، يضاف إلى هذا انها كانت سببـاً رئيسـاً فـي تلك العـداوة التي نشـأت بين الدول، وكانـت إيذانـاً حقيقياً ببدايـة ظهـور الاستعمار، وقـد بلـغ فيها تدخـل الدولة في النشاط الاقتصادي ذروتـه حتى وصل إلى حـد تحريم بعـض الملابـس، وفـرض أشكـال معينـة للأزيـاء، وتشجـع بعـض الصناعـات، وعرقلـة أو منـع صناعـات أخـرى.
والحق فإنه بصرف النظر عن العوامل المنشئة للمذهب الفردي – فكرية كانت أو اقتصادية – فإنه من المؤكد ان هذا المذهب قد اعتمد في تحديده لوظيفة الدولة، والمجال الذي تعمل فيه على مبررات عديد بعضها قانوني وبعضها تاريجي، وبعضها الثالث اقتصادي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سادت السياسة المركانتيلية اوربا منذ اواسط القرن الخامس عشر حتى اواسط القرن الثامن عشر وكان من اكبر دعاتها ( جان بودان ) و ( لافاماص ) و ( مونت كرينان ) وتجد صداها الحقيقي في فكر ( ماكيفالي ) وقد اتاحت فكرة السيادة عند ( بودان ) ان تضفي صفة الشرعية على إرادة الملك في ان يتخذ ما يشاء وان يتدخل في حياة الأفراد باعتباره هو المعبر عن إرادة الدولة، وهذا هو ما قرره ( ماكيافلي ) الذي جعل الدولة مجرد هيئة تبحث عن القوة، والعظمة كي تضمن لنفسها البقاء، وتدعم نفوذها، وبهذا قد فصل القوة عن الأخلاق والدين، فالدولة في نظره نظام له قوة مستقلة عن بقية الاشياء، ويعتبر ( كولبير الوفي ) هو الواضع الحقيقي للمبادئ المركانتيلية والقائلة بأن كل شي، يجب ان يكون خاضعاً لقوة الامة، وغناها، وهكذا فان وضيفة الدولة في هذه الصورة مطلقة بلا حدود، ويقع على عاتقها التدخل في كل العمليات الاقتصادية.
التبرير القانوني(1)
يقوم المذهب الفردي على أساس أن للانسان حقوقأ لصيقة به سابقة على نشوء الدولة، بل هي سابقة على نشوء مطلق المجتمع فهي حقوق نابعة من ذات الإنسان، والدولة كما يرى فلاسفة المذهب تنحصر وظيفتها في تنظيم الحقوق الفردية، فهي لا تخلق الحقوق، أو تمنحها، بل هي تضفي عليها طابعأ رسميأ وقد اعتمد هذا المذهب في تقريره لوجهة نظره على نظرية الحقوق الطبيعية، تلك النظرية التي ظهرت في نهاية العصر الروماني مروراً بالعصور الوسطى فالعصور الحديثـة، ولما كانت هـذه الحقوق نابعة من ذات الانسان وملاصقة له فان السلطة لا تملك التعـرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد تأسس المذهب الفردي على العديد من النظريات، والأفكار إلا انه يمكن حصر المصادر الرئيسة للمذهب الفردي بالاتي:
1. المسيحية
لقد كان للمسيحية بعض الفضل في تحديد مجالات السلطة وأهدافها، وفي تضييق دائرة عمل الدولة ووظيفتها، ولقد كان للمسيحية هذا الدور وذلك حين فصلت بين الدين والدولة، وبالتالي اخرجت عن نطاق السلطة الزمنية كل ما يتعلق بالدين، ويعد هذا هو الأساس في إرساء المبدأ الفردي وظهوره في الميدان السياسي، والاقتصادي، فالمسيحية قد ساهمت في استشعار الأفراد لحقوقهم، ومنع الدولة من التدخل في كل ما يتعلق بحريات الأفراد الشخصية أو الدينية، ومن ثم في تحديد مجالات الدولة في التدخل.
2. نظرية العقد
تعد هذه النظرية من اهم مبادئ المذهب الفردي الفكرية ذلك لأن هذه النظرية تعترف للأفراد بالحقوق الطبيعية التي هي جزء من ذات الفرد وفطرته، ومقتضى هذه النظرية ان الأفراد إنما قبلوا العيش في ظل سلطة سياسية، لأنهم يريدون المحافظة على حقوقهم الطبيعية والتمتع بها بعد أن كانوا قبل ذلك يعيشون على الطبيعة البدائية، وقد اتسمت حياتهم تلك بالحرية المطلقة، والاستقلال الذاتي وهكذا فان الفرد بحقوقه سابق على الجماعة، وان الجماعة السياسية ما وجدت إلا لخدمة الفرد، فالفرد هو غاية الدولة، وحقوقه هي التي تحدد أوجه نشاطها، ونطاق سلطتها.
3. المدرسة الطبيعية
تقوم هذه المدرسة على أساس نظرية النظام الطبيعي، ومقتضاها أن الوجود محكوم بقوانين طبيعية لايد للإنسان في إيجادها، او صنعها، بل يجب على الإنسان الانسجام معها، والعمل على سننها، ومن ثم فإن الالام البشرية في حقيقتها ليست إلا وليدة عصيان هذه القوانين، فاستسلام الإنسان للطبيعة كفيل بأن ينظم للإنسان حياته تنظيماً دقيقاً محكماً كما نظمت حياة سائر الموجودات الحية مثل النحل، والنمل، وترك قوانين الطبيعة تعمل بتلقايتها هو العامل الأساس في سلامة كل شيء بما فيه النشاط الاقتصادي فالإنسان الذي يسعى لتحقيق غاياته لا يفسر اهتمامه هذا بأنه خاص به وحده، بل هو في سعيه لشائه الخاص يتطابق مع الاهتمام العام تلقائياً ويكفي أن يترك الناس أحراراً ليسعى جميع البشر تلقائياً نحو هذا النظام التناسقي الذي تعمل القوانين الطبيعية على تحقيقه، وقد سادت هذه النظرية في منتصف القرن الثامن عشر وكان من ابرز رجالها ( آدم سميث ) في إنجلترا ( وكينيه ) في فرنسا وهذه النظرية بالإضافة إلى مدلولها الاقتصادي لها مدلول سياسي يتعلق في بيان مركز الفرد من السلطة، وان حقوق الفرد تعد هدف الجماعة وغايتها.
4. مدرسة القانون الطبيعي
معلوم أن فكرة القانون الطبيعي تعني وجود قوانين طبيعية أسبق واعلى من القانون الوضعي خالدة وثابتة، وتصح في الزمان والمكان، وفكرة القانون الطبيعي تجد صداها في كتابات الإغريق والرومان مثل: سقراط – افلاطون – أرسطو – شيشرون فالقانون الطبيعي هو قانون ازلي توحي بـه الطبيعة، ويكشفه العقل البشري، ويستحسنه الوجدان، وهو يدعونا إلى اتباع الأوامـر، واجتناب النواهي وهو يقرر أن للفرد حقوقاً لصيقة به استمده من طبيعته الإنسانية، وعلى الرغـم من أن فكرة القانون الطبيعي كانت معروفة عند الإغريق والرومان حتى استقر مفهومها في القرن السابع عشر على يـد ( توما الاكويني ) و ( كروسيوس ) إلا انها لم تعمل على تحديد سلطان الدولة والحد من تدخلها فـي النشاط الاقتصادي إلا في القرن السابع عشر باعتبارها رد فعل على السياسة ( المركانتيلية ) التي سادت أوربا قبل ذلك والتي عملت على التدخل في مختلف الأنظمة الاقتصادية.
لها او مساسها فحسب، بل يجب عليها أن تيسر للأفراد القدرة على استعمالها، والتمتع بها، وبالتالي فـأن هذه الحقوق بموجب هذا الاعتبار القانوني يفرض على الدولـة واجبين أحدهمـا سلبـي وهو غل يد السلطة، وذلك بالامتاع عن المساس بتلك الحقوق والاخر إيجابي وهو أن تعمل الدولة على تشجيع الأفراد للتمتع بحقوقهم، والعمل من أجل ممارستها. وقد كان لنظرية الحقوق الطبيعية انتشاراً واسعاً على مستوى السياسة، والاقتصاد، وكان من أبرز معتنقيها، والمدافعين عنها ( جون لوك ) و ( هربرت سبنسر ) وغيرهما.
ويلاحظ أن التبرير القانوني هو في حقيقته وجوهره يعتمد على نظرية العقد الاجتماعي(1) تلك النظرية التي تذهب إلى ان اساس نشأة الدولة إنما هو ناتج عن اتفاق بين الأفراد مفاده أن يتازل كل فرد من الأفراد عن جزء من حقوقه لشخص هو الحاكم، او السلطة السياسية حتى يكون قادرأ على حمايتهم من الظلم وتوفير الأمن لجميعهم، ومن ثم فان ترك الأفراد للحياة البداية، ودخولهم في الحياة الاجتماعية إنما كان الغرض منه هو تحقيق ضمان افضل لتلك الحقوق البدائية، وهم في هذا الدخول مع الجماعة لم يتنازلوا عن كل حقوقهم بل عن ذلك القدر الضروري لإقامة الجماعة السياسية، وبالتالي فإن الحقوق الاخرى قد احتفظوا بها في منأى عن تدخل السلطة السياسية، يقول روسو: (( إيجاد شكل من الاتحاد يدافع، ويحمي كل القوة المشتركة شخص كل مشارك، وأمواله، ومع أن كل فرد يتحد مع الجميع إلا أنه لا يطيع إلا نفسه، ويبقى حراً كما كان من قبل )) وهكذا تكون نظرية العقد الاجتماعي بالاضافة إلى انها قد قدمت مفهومأ عن نشأت السلطة السياسية قد حددت أهداف هذه السلطة ووظيفتها.
التبرير التاريخي
يذهب هذا التبرير إلى أن الفرد سابق على نشؤ المجتمع وبالتالي فهو سابق على نشوء الدولة، ومطلق السلطة السياسية، وبناء على هذا فأن الفرد لا يرضى الخضوع لسلطة المجتمع إلا في الحدود التي تحافظ فيها هذه السلطة على حقوقه الطبيعية التي نشأت معه، ووجدت بوجوده، وانتظام الفرد في نطاق الجماعة لا يعني أنه قد تنازل عن حقه وضمها إلى حقوقه.
التبرير الاقتصادي
يعتقد المذهب الفردي ان تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي يتنافى مع المبادئ الاقتصادية الرشيدة، ويجد هذا المذهب أساسه في الأفكار التي قدمتها المدرسة الاقتصادية، الكلاسيكية التي ضمت نخبة من رجــال الاقتصاد، مثل ( أدم سمث ) ، و ( مالتوس ) ، و ( ريكاردو ) تلك المدرسـة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من اشهر من كتب عن نظرية العقد من الإنجليز: ( توماس هوبز ) ، و ( جون لوك ) ومن الفرنسيين: ( جان جاك روسو ) ، و ( منتيسكو ) ، ونظرية العقد تذهب إلى أن الدولة من صنع الإنسان، وانها نشأت نتيجة لإرادة الأفراد التعاقدية الرضائية حيث اتفقت إرادة الأفراد على إنهاء حالة الطبيعة البدائية. إما لكونها غير عملية على الرغم من مثاليتها كما هو الشأن عند ( لوك ) أو لأنها شريرة كما هو عند ( هوبز ) ، أو استجابة لظروف قاهرة كما هو عند ( روسو ) .
التي ترى ان الشؤون الاقتصادية شأنها شأن عامة الأشياء الطبيعية الموجودة في الكون المحكومة بقوانين طبيعية، فكذلك الاقتصاد محكوم بقوانين اقتصادية طبيعية، وان الخير كل الخير منوط بمقدار اكتشاف هذه القوانين والانسجام معها، وأن تترك وشأنها تعمل ذاتيأ دون تدخل يعيقها، أو يعطل عجلتها، إذ أن عملها الذاتي هذا كفيل بأن يحقق افضل النتائج، فيكفي ان يترك الناس أحرار. ليسعى جميع البشر تلقائيأ نحو هذا النظام التناسقي، وتعبيرأ عن هذا المعنى وضع المذهب الفردي شعاره (( دعه يعمل دعه يمر )) يقول ( سمث ) :
(( لو أزيلت النظم كافة سواء ما تعلق منها بالإيثار أو الضبط فان نظام الحرية الطبيعية الواضح والبسيط يثبت وجوده بمحض إرادته، وترى هذه المدرسة أن المحرك الأساسي للفرد هو الدافع الاقتصادي والمعبر عنه بالذة أو الرغبة الشخصية، والمنافسة التي هي محرك الفعاليات الاقتصادية إذ هي تعمل على دفع الفرد للتحري عن أقصى الاكتفاء بأقل جهد ممكن، ويمد هذا الحافز كل المقومات التي ارتكز عليها النظام الرأسمالي بطاقات لا حدود لها فهي التي تعمل على إيجاد التوازن بين الأسعار والكلف، وعلى مستويات تخفيض الأرباح إلى الحد الأدنى، وتشجيع إدارة الأعمال على النطاق الاقتصادي في وضع تقني معين، فالمجتمع الذي يخلو من المافسه لا يكون مجتمعأ رأسماليأ، لأنه لا وجود فيه للمحرك الاقتصادي الرئيس وهو المافسه )) .
ويلاحظ ان المنافسة انما تحقق مصلحة اجتماعية، لأن هذه المصلحة ليست إلا مصلحة مجموع الأفراد صحيح أن الفرد عندما يوجه الصناعة إنما يسعى لتحقيق أكبر قدر من الربح وهو لا يهدف بهذا إلا إلى الكسب الذي يعود عليه لكنه في هذه الحالة كما في حالات كثيرة غيرها إنما تقوده يد خفية لتحقيق غايات اجتماعية اخرى، وهكذا فأنه في الوقت الذي يعمل فيه الفرد على تحقيق مصلحته فإنه يعمل في ذات الوقت وبصورة فعالة على إنماء مصالح الجماعة، أو بتعبير آخر فإنه لا يفسر اهتمامه هذا بأنه خاص به وحده بل هو في سعيه لشأنه الخاص يتطابق تلقايأ مع الاهتمام العام.
وهكذا ترى هذه المدرسة انه في كل الأحوال التي يتوهم ان هناك تعارضأ بين مصلحة الفرد، ومصلحة الجماعة فان جهاز الثمن وقانونه، أو بتعبير آخر ميكانيكية السعر تلعب دوراً بارزاً في إقامة التوازن بين المصلحتين، وتحقيق التوافق والانسجام بينهما وذلك من خلال التوفيق بين حالتي العرض والطلب.
وبيان ذلك أن البضائع إذا ازداد إنتاجها، وكان أكبر من حجم الطلب عليها فأن هذا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض ثمنها وبالتالي إلى انخفاض ربح المنتج، أو التعرض للخسارة فيحمله هذا إلى التقليل من الانتاج اما إذا زاد الطلب على سلعة، وكان حجم إنتاجها أقل ارتفع ثمنها وهنا يحصل المنتج على أرباح تدفعه إلى زيادة إنتاج تلك السلعة فتتحقق بذلك رغبات المستهلك، وفي كل هذا يكون جهاز الثمن قد حقق التوازن، وهكذا وحتى تستطيع ميكانيكية التوازن أن تعمل بصورة صحيحة فأنه يجب على الدولة أن تترك الناس أحراراً يعملون كما يشاؤون، وينتقلون من فرع إلى آخر بملئ رغباتهم، وأن تنزلق الفعاليات الاقتصادية بحرية لتحقق المصلحة العامة وبصورة عفوية.
وجهاز الثمن إذا ما توفرت شروطه فانه من الكفاءة بحيث لا يلعب دورأ حاسمأ على مستوى إقامة التوازن بين مختلف المصالح الفردية والعامة فحسب، بل إنه سيعمل على تسجيل رغبات المستهلكين التي تحتاج إلى إشباع كلما سجل ذلك الجهاز زيادة فى ثمن سلعة ما وكان ذلك دليلأ على زيادة رغبة المستهلكين عليها لإشباع بعض حاجاتهم، والعكس صحيح كلما انخفض ثمن سلعة ما كان ذلك دليلأ على عزوف المستهلكين عن هذه السلعة، وجهاز الثمن هذا بعد ان يبين لنـا تلك البيانات يعمل تلقائياً على تحريك الموارد الاقتصادية نحو إنتاج السلع المطلوبة تبعأ لترتيب تفضيل المستهلكين، وهكذا يقود “بارومتر السعر” كل العملية الاقتصادية ذلك أن المنتج إنما يوجه الموارد المتاحة له نحو إنتاج السلع المطلوبة من قبل المستهلك يسوقه إلى ذلك مصلحته الذاتية في تحقيق أكبر قدر من الأرباح وتحقيق الربح إنما يتم في السلع التي يمكن أن يبيعها بربح يربو على التكاليف وهذا مرهون برغبة المستهلك، واقباله على السلعة المنتجة، وتلك الرغبة لا يمكن معرفتها إلا من خلال زيادة الثمن الذي يؤشره جهاز الثمن، وبالتالي فجهاز الثمن هو الذي يقيم تلك الروابط القوية بين مختلف الفعاليات الاقتصادية فهو الذي يوجه انتقال الموارد الاقتصادية نحو إنتاج السلع التي يشتد عليها الطلب، وبهذا توجد علاقة أصيلة بين الإنتاج والاستهلاك وفي ذات الوقت يعمل على توزيع الدخول بين المنتجين كل حسب مساهمته في الانتاج والى جانب دوره في تحقيق التوازن بين الانتاج والاستهلاك يقوم الثمن في هذا النظام بوظيفة أخرى يؤدي إلى الملاءمة بين الموارد المحدودة، والحاجات الإنسانية المتعددة.
تلك هي اهم الخصائص والتبريرات التي اعتمد عليها المذهب الفردي والذي يعتبر الأساس الفكري والنظري للنظام الرأسمالي وقد تعرض هذا المذهب للهجمات من كل ناحية وصب دعاة الاشتراكية وأنصار المذاهب الاجتماعية وابلأ من الانتقادات والمآخذ. وفي الحقيقة فان لهذا المذهب من النواقص ما لا يمكن السكوت عليه، ولذلك فأن غير واحد من معتنقيه قد وجه إليه النقد، ذلك ان الدعائم التي اعتمد عليها تفتقر إلى وجود سند علمي يدعمها، ولعل من المفيد ان نسوق أهم وأبرز عيوب المذهب الفردي وذلك كالآتي:
أولأ: إن الدعامة الأولى التي اعتمد عليها المذهب الفردي، وهي القول بالحق المطلق السابق على وجود الجماعة، وان الفرد كان يعيش في عزلة قبل دخوله في الجماعة السياسية وان الفرد يستمد حقوقه من ذاته بحكم كونه إنسانأ إنما يصدر في كل هذا عن منطق متناقض والحق لا يتصور وجوده فى حياة العزلة، لأن الحق في الدرجة الأولى ظاهرة اجتماعية لا توجد إلا بوجود الجماعة وقيام العلاقات بين افرادها، وتدخل الجماعة من أجل سلامة تلك العلاقات وحماية المعاملات، يضاف إلى ذلك أن القول بالحقوق المطلقة يجعلنا بإزاء حقوق متعارضة لا يمكن إقامة التوازن فيما بينها فمثلأ القول بالحرية الاقتصادية قد جعل من الحرية السياسية مجرد وهم وخديعة لا يرتقي إلى أكثر من كونه شعارأ أجوف لا معنى له، لأن هذه الحرية قد أصبحت سلاحأ فعالأ في يد الأقوياء ولهذا قيل وبحق بأن النظام السياسي الذي توزع فيه القوة على أساس الأعداد وحدها لا يتسامح بوجود نظام اقتصادي حر ومستقل تكون القوة فيه موزعة على أساس الثروة فالحرية السياسية لا معنى لها في ظل نظام يقوم على الحرية الاقتصادية لأنه لا قيمة لحق الترشيح لرجل يسعى للبحث عن قوته اليومي ويسعى للمال اللازم للتعليم، أو للذهاب للاستطباب هذا فضلأ عن أن الحرية الاقتصادية ستصنع طبقة من الأفراد إضافة إلى تحكمهم في الاقتصاد وأنشطته المختلفة سيتحكمون في السياسة ومجرياتها وذلك لأن مواردهم المالية ستيسر لهم شراء صناديق الاقترع وأصوات الناخبين ووسائل الدعاية والإعلام.
ثانياً: سبق وان قدمنا ان المذهب الفردي التقليدي يقوم على اساس النزعة الفردية المطلقة وهو لا يرى تعارضأ بين المصلحة الفردية الخاصة وبين المصلحة العامة، لأن هذه المصلحة إنما هي مصلحة مجموع الأفراد.
والحقيقة أنه لا يمكن للمصلحة الفردية الخاصة أن تتساوق مع المصلحة العامة، لأن هذه المصلحة ستدفـع الناس لاستغلال الحريـة فتقيد التنافس وتـحدده وتتجنب المسؤوليات ولـن يتـوازن النظـــام
مـا دام متروكـاً لضمائرهم. إن الخطأ يكمن في تصور أن الجماعة لا ينظـر إليهـا كونها حاصـل جميع أفرادهـا، ولا ترى في المصلحة العامة إلا حاصل مصالح الأفـراد وهــذا التصور يشهـد الواقع بعـدم دقته ذلك، لأن مصلحة فـرد من افـراد الأسـرة لا يعنـي انه مصلحة الأسرة مجتمعـة، ومـن هنـا يسعـى الفـرد إلـى تحقيـق مصلحتـه وأكبـر قـدر من الأربـاح واشبـاع حاجاتـه دونمـا نظـر إلى مصلحـة الجماعـة فكثيـراً مــا يتجـه الفـرد إلـى توظيـف أمواله واستثمارهـا في الصناعـات ذات العائـد السريع وان قـل فـي حين أنـه يعـزف عـن الصناعـات ذات العائـد البعيـد حتـى مـع تحقـق وفرتـه وبالتالـي لا يمكـن استخـدام مـوارده المتاحـة أفضـل استخـدام وفقـاً لرغبـات المستهلكيـن بمـا يحقـق أكبـر قـدر مـن الرفاهيـة ولـم يعـد بالإمكـان التعويـل علـى تلك اليـد الخفيـة التـي تعمـل علـى تحقيـق التـوازن بيـن مختلـف المصالـح المتعارضـة وبصـورة تلقائيـة لأن تقـدم المجتمـع وتطـوره وبـروز التقنيـة المتطـورة والحاجـات المتنوعـة كـل ذلك قـد أذن بظهـور حقـول مهمـة متزايـدة يتعـذر معهـا الوصـول إلـى شـروط سليمـة للتسويـات مـا لـم يقصـد النـاس بشكـل جيـد مـدرك الوصـول إليهـا، وهـذا يحتـاج إلـى فهـم حقيقـة التكيفـات الاقتصاديـة الصحيحـة والـى وجـود إرادة تعمـل لتيسـر حصولهـا بـدلأ مـن السعـي للمصلحـة الذاتيـة بشكـل غيـر مسـؤول.
ثالثاً: جهاز الثمن والذي يعتبر السوق جهازأ مثاليأ إذا ما أضيفت إليه المنافسة كافيأ للقيام بالمهمة الاقتصادية الأساسية، ذلك بتوجيه الإنتـاج عن طريق تقلباتـه والذي يـؤدي وبصورة تلقائيـة إلى إقامة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وتوجيه الموارد نحو الاستثمار بوظيفـة الملائمة بيـن الموارد المحدودة، والحاجات المتعددة. إن هذا الجهاز الذي يقود آلية العمل في النطام الراسمالي لم يعد قـادرأ وبتلقائيته الساذجة أن يقيم التوازن بين مختلف أنشطة الاقتصـاد ومرد هـذا ومكمن الخطأ فيه أنه يفترض تحركاً تامـأ لعناصر الإنتــاج للقيام بدورهـا، أي إمكانيـة توجيـه الإنتاج وحجمه في كل لحظة مما يعنـي أنه في اللحظة التـي يرتفـع فيها سعر سلعة معينة يمكن رفع إنتاجها مباشرة، وفور انخفاض أسعار سلــع معينـة إمكانية إيقـاف الإنتـاج مباشرة، أو التحـول إلـى إنتـاج سلعة ثانيـة سواهـا مع أن الواقـع بخلافـه، لأن هنـاك دائمأ معوقأ في آلة الإنتـاج يمنـع ذلك التوافـق المباشـر، وهـذا المعـوق يعـود لعنصري رأس المال والعمل معاً وبالتالـي فإنـه لا يمكننا أن نعـرف وعلى وجــه الدقة مـا إذا كانت كمية سلعة متاحـة فـي ســوق مـن الأسـواق مساويـة للحاجـة الموجـودة فـي تلك الفتـرة أم اقـل منهـا أم أكثـر، ولا يتبين الأمـر إلا بعد مضـي الوقـت، ومـا دام الأمـر لا يعـرف ألا بعد فوات الوقت فإننا لا نعرف في هذه الحالة فيما إذا كانـت كــل كمية العمل المبذول في فـرع من فروع الصناعة قد استخدم وبالشكل الضروري اجتماعياً أو أنهـا بددت جزئيأ فإنه من المتعـذر معرفة قيمـة السلعة إلا بعد مضي الوقت، ومن ثـم تصبح القيمة فكرة مجردة لا مدلول لهـا، لأنها عندئذ تكون ثابتة تتقلب الأسعار من حولهـا.
واذا كانت النظرية التقليدية تفترض المنافسة البناءة فان هذه المنافسة لا يمكن أن تحدث وبشكل تلقائي بل من الممكن أن يتجه أعضاء الصناعة الواحدة نحو التآمر على الجمهور.
إن غياب شروط المنافسة التي يغذيها جهاز الثمن الحر وذلك مثل العلانية والمعرفة الكاملة بين المنتجين والمستهلكين والتجزئة كل ذلك أدى إلى عجز المجتمع الرأسمالي عن استخدام الموارد المحدودة وفقأ لرغبات المستهلكين مما تسبب في عدم تحقيق أكبر قدر من الرفاهية الكلية للمجتمع.
اما على صعيد توزيع الثروة فإننا بغير أن نصل إلى إقرار قانون ( الإملاق المطلق العام ) لتراكم رأس المال الذي قال به ( ماركس ) نستطيع القول أن توزيع الثروة في ظل النظام الرأسمالي التقليدي تؤدي إلى البؤس والى أوضاع من المؤكد أنها لا إنسانية ، فقد كشفت الوقائع في بريطانيا أنها غير مشرفة على الإطلاق لبلد متحضر، وكذلك الشأن في فرنسا وعلى حد تعبير بزرائيلي في روايته سيبل: (( كأن هذه الأوضاع لم تستلفت انتباه الجمعية التي تألفت لإلغاء عبودية الزنوج )) وحتى نتبين حجم المأساة في توزيع الثروة نقتبس تلك الاحصائية التي أجراها الأستاذ ( بيجو ) قبل الحرب العالمية الثانية والتي تؤكد أن ( 1 % ) واحد بالمئة من الأشخاص الذين يزيد عمرهم على 25 سنة في إنجلترا وويلز يملكون 60 % ستين بالمئة من الثروة الخاصة الكلية في حين أن 75 % من الأشخاص الذين يزيد عمرهم على 25 سنة في نفس البلاد يملكون 5 % من الثروة الكلية.
إن وظيفة النظام الاقتصادي اي نظام إنما هو بمقدار مـا يحققه ذلك النظام من رفـاه كلـي للمجتمع، ومن إشباع حاجاته وهذا المعيار ليس معياراً اصطلاحياً تحكمياً، بل هو موضوعي يجـد مبرراته في غاية الاقتصاد وأهدافه، وقد فشل النظام الرأسمالي التقليدي في تحقيق هذه الغايات وتلك الأهـداف يدلنا إلى ذلك واقـع المجتمع في ظـل النظـام الرأسمالي التقليـدي خصوصاً إذا أخذنـا بنظـر الاعتبـار تلك الأزمات الدورية التي ألمحنا إليها ومصاحبتها من قلة الدخول والبطالة وتقليل الأجـور.
أمـا على صعيد الاحتكارات فـأن انعدام أركان المنافسة قـد أدى إلى ظهور الاحتكارات الضخمة والتي ظهرت على شكـل تكتـلات ومؤسسات ضخمة واتحـادات، وللتدليل على حجـم هذه الاحتكارات نقـول: إن صناعة الحديد والصلب في أمريكا تملكها سبع عشرة مؤسة احتكاريـة تهيمن على 95 % من إنتاج الصلب في البلاد وان شركتين فقط من هذه الشركات تهيمن على نصف الانتاج، وهكذا الشأن في صناعة السيارات إذ أن ثـلاث شركات تهيمن على 93 % من إنتاج السيارات في البلاد وهذه الظاهرة منتشرة في أغلب الدول الرأسمالية مما أتــاح للعديـد من المنتجين التحكم في مورد أو اكثر من الموارد الاقتصادية، او الاحتفاظ بأسرار العملية الإنتاجية لصنع سلعة ما في منشـأة مـا، أو التآمر فيما بينهم بتحديد كميات الإنتاج أو تحديد أسعار منتجاتهم، أو توزيع أسواق الاستهلاك عليهم. إن هذه الاحتكارات فضلأ عن أنها تصطدم مع مصلحة الجمهور في العديد من الأحيان ومع مصلحة المستهلك بالدرجة الأولى إلا أنها في ذات الوقت تؤدي إلى صعوبة دخول منافس جديد إلى سوق الإنتاج في فروع الإنتاج الضخمة التي تخضع للاحتكارات.
وخلاصة القول إن هذه العيوب سواء على المستوى الفكري الذي يمثله المذهب الفردي الاقتصادي، أو على مستوى الواقع الذي تمثله الرأسمالية التقليدية قد أدى إلى انهيار المذهب الفردي بنوعيه العملي والنظري، ودفع من غير وجه العديد من الكتاب الذين ينتمون إلى الرأسمالية ومنهجها أنفسهم إلى ضرورة إعادة النظر فيها وذلك من أمثال ( مارشال ) و ( بيجو ) وقد بلغت قمة تلك الصيحات بظهور النظرية الكنزية فقد أدرك هؤلاء وغيرهم انه أصبح من المستحيل في ظل الاقتصاد الحديث الاعتماد على اليد الخفية وتلك القوانين الاقتصادية الطبيعية في مهمة تحويل المصلحة الذاية إلى جهاز كفء قادر على مواجهة كل الاحتياجات الاجتماعية وذلك لأن نظام الحرية الاقتصادية غير المراقبة هو أبعد من أن يحقق انسجام المصالح ما بين مختلف الفعاليات الاقتصادية والمالية.
تطور الرأسمالية
في البداية وقبـل أن نعـرض لأبـرز الأفكـار والنظريات ذات التوجه الاجتماعي نود أن ننبه إلى أنـه لم يكن هناك مناص أمام الدول التي سارت في فلك المذهب الفـردي من أن تراجـع مبادئها وتعيد النظر فيهـا، وقد كانـت مدفوعة إلى هذا تحت ضغـط النزاعات الاشتراكية التي شهدهـا القرن التاسع عشر والأزمات الاقتصادية في مطلع القرن العشرين وتحت وطأة مطالب العمال الملحة في تحسين ظروف العمل، وزيادة الأجور.. اضطرت الدولة تحت وطأة هذه العوامل أن تمد نشاطها إلى ميادين النشاط الخاص الذي كان محظورا عليها في الماضي، فاعادت النظر في توزيع الثروات، وتحديد الملكية وتقرير رسم الأيلولة على التركات ،وتحديد الأجور، وساعات العمل إلى غير تلك الإجراءات.
وهكذا تعاظم الدور الذي تقوم به الدولة في الميدان الاقتصادي بين عهد ( آدم سمث ) في أواخر القرن الثامن عشر، وبين عهد ( كينز ) في منتصف القرن العشرين، فلم تعد الدولة مجرد لجنة لإدارة المصالح العامة للطبقة البرجوازية وأصبح من الصعب قبول مثل هذه الأفكار التبسيطية، فالدولة أصبحت محصلة تنازع عديد من القوى والمصالح السياسية والاقتصادية، وقد نجحت العديد من الأحزاب العمالية، والاشتراكية في العالم الرأسمالي في الوصول إلى الحكم، وإدارة الدولة ولفترات طويلة، ولذلك لم يكن تدخل الدولة في كثير من الأحيان موافق لرغبات البرجوازية ان لم يكن قيدا يرد عليها على أن الأحزاب العماليـة، والتيارات الاشتراكية تشكل واحدا من العناصر الأساسية في القوى السياسية والاقتصادية في العالم الرأسمالي وثمة عامل مهم مرتبط بما تقدم يفسر تدخل الدولة المتزايد في الحياة الاقتصادية وهو الحرب الباردة، أو بصورة أعم التحدي الذي تطلقه مجموعة القوى المعادية للرأسمالية، فمناخ التحدي يجعل احتمال أزمة اقتصادية مثل أزمة 1929-1933 أمرا من الاستحالة بمكان، وحتى ندرك حجم هذه الاستحالة إذا تصورنا انه لو وجد في ألمانيا خمسة ملايين عاطل عن العمل في ذلك الوقت فإنا ندرك للتو أسباب هذه الاستحالة من وجهة النظر السياسية ،ومن هنا كأن تدخل السلطات في الحياة الاقتصادية موجه قبل كل شيء ضد الأزمات.
ولعل مـرد هـذا التغيـر فـي الوظيفـة الاقتصاديـة للدولـة لا يرجع فقـط إلى تأثيـر النزعات الاشتراكية، بل إن التغيرات التي طرأت على طبيعة المشاكل التي واجهتها الدولة استلـزم إيجـاد الحلول خصوصاً بعـد الحـرب العالمية الأولى التي أحدثت ارتباكـاً واضحـاً في التجـارة هـزت ميـزان المدفوعات الدولية، فتعرض ذلك الارتياح الـذي كان يتسم به التقليد الكلاسيكي إلى هـزة عنيفة جعـل الدولة تفكـر بطريقة أخرى للتدخل في الشؤون ألاقتصاديه وذلك بغية تركيز الإنتـاج في الضرورات الحربية، الأمر الذي أدى إلى تراكم الديون الطائلة وخلق سلسلة من الأزمات الاقتصادية التي لا تكاد تنتهي إحداها حتى تبدأ أخرى من نوع جديد، وقد واجهت أوربا عموما وبريطانيا على الأخص أخطاراً حقيقية اضطرتها إلى بيع جانب وافر من استثماراتها لتسديد ثمن مشترياتها من الآلة الحربية.
وخـلال الحـرب الكونيـة الأولـى وبعدهـا حصـل تضخم حـول أعباء الاستثمار المصحوب بزيـادة مذهلة في الأسعار، وعم هذا جميع بلدان العالم ثم أعقب هدا التضخم كساد ترتب عليه هبوط في الأثمـان ( أزمة 1920 – 1921 ) ثم أعقب هـذا الكساد وذلك التضخم تناقـص فـي الأسـواق التي كانـت تستوعـب صـادرات بريطانيـا، وفي كـل الأحـوال كانـت البطالة واحـدة من مصاحبات الكساد، أو أثـراً من آثـاره، وجاءت أزمة 1929 والتي تعد أعنف أزمة يمر بها النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة وأوربا ليضع النظام الرأسمالي برمته بإزاء مأزق حقيقي، وقـد كانت هـذه الأزمـة للمجتمع الأمريكي بداية وعي المسألة الاجتماعية خصوصا إذا علمنا أن البرجوازية الأمريكية كانت تتميز عن كل الطبقة الرأسمالية العالمية بثقة كلية بمستقبل المشروع الحر. كل هذه الأزمات كانت بمثابة ضربات أليمة في البناء التكويني للجهاز الرأسمالي الضخم الذي بناه التقليدي الكلاسيكي في أعقاب الثورة الصناعية.
وقـد دفعـت هـذه الأزمـات كتـاب الاقتصـاد إلى محاولـة إصلاح ما طـرا على النظام، ووضع المعالجات العمليـة للمشاكل الاقتصادية، وعظـم نفوذهـم وراح النـاس يصغون إلى كـل مـن لديـه اقتراح لعلاج الحـال، ومحاولة الإصلاح، وفي هذا الجـو المفعـم بالاضطراب الاقتصادي ظهـرت عـدة أفكـار ونظريـات تدعـو إلـى ضـرورة تدخـل الدولـة في الحيـاة الاقتصادية، أو محاولة وضع نمـط من المخططـات يبيـن نـوع التدخـل، وحـدوده وكـان مـن أبرزهـا وأكثرهـا تأثيـراً النظريـة الكينزيـة التـي ولـدت من رحـم التناقـض الرأسمالي والتي أصبـح لهـا تأثيـر قـوي سـواء علـى مستوى الفكر الاقتصادي، أو على المستوى العملي، إذ فتحت آفاقا جديدة أمام الدول للتدخل في النشاط الاقتصادي. وهكذا أخذت الدول الرأسمالية تتدخل ليس فقط في ميدان التجارة الخارجية والعلاقات الدولة المتبادلة بل في مختلف قطاعات الاقتصاد مثل إعادة توزيع الدخول، وتخصيص الموارد، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وقد زاد مع زيادة ما تملكه الدولة من مـوارد اقتصاديـة خاضعـة لهـا مباشـرة، فالقطـاع العـام وملكية الدولة في تزايد مستمر في كثير من الدول الرأسمالية، فقـد تـم تأميـم عـدد مـن الفـروع الأساسيـة للاقتصاد مثل البنوك الأساسيـة، وصناعة الصلب، والفحـم كمـا حـدث فـي فرنسـا وانجلتـرا، وتملك الدولـة أهـم المؤسسات الاقتصادية في إيطاليا مما دفـع البعض إلـى الحديـث عـن رأسماليـة الدولة فيها، وهذا أيضا ما حدث أو بعضـه قبـل ذلك في معقـل الرأسمالية وهي الولايات المتحدة، لأن تجربة أوربـا كانـت امتـداداً لتجربـة روزفلت فـي أمريكـا.
وفـي الحقيقـة فإننـا حيـن نذهـب إلـى أن دور الدولـة قد تعاظم بعد الحرب العالمية الثانية في النشاط الاقتصادي فليس معنى هذا أن الدولة لم تلعب دورا أساسيا على طول تاريخ الرأسمالية، فسـواء بطريـق مباشـرة أو غيـر مباشر، أو بطريق تقديـم المعونـة لبنـاء السكـك الحديديـة كمـا حـدث فـي ألمانيـا والولايـات المتحـدة، أو بطريـق النهـوض بالمصالـح الاقتصاديـة للرأسمالييـن المحليين في الخارج بوسائل مناسبة كما حدث في بريطانيا وهولندا، أو بطريق عمليات مالية معقدة، وفـرض رسـوم جمركية كما حـدث في فرنسا فقـد كـان للدولـة دور مهـم. ولكـن مع ذلك فـأن الحدود المعترف بها للدولة لم يكـن بـارزاً إلى الحد الـذي صورنـاه بـل تـم تقـدم تصاعدي فـي نطـاق العمـل الحكومـي.
وقد وافق الاقتصاديون الأحرار أو الأرثوذكس على مثل هدا التدخل مضطرين تحت ضغوط الأزمات الاقتصادية وأنه ما دامت الدولة قد أرغمت على التدخل على هذا النحو الحاسم فإنه من الممكن التوسع في هذا الإجراء الحكومي حتى يتسنى بداية مرحلة جديدة من الاستقرار وهم الذين ذهبوا إلي اعتبار القوانين الاقتصادية أمراً مستقلاً عن المؤسسات الإنسانية والذين طالما اعتقدوا أن هذه القوانين ممثلة لقوى مسيطرة تحد من العمل الحكومي ضمن إطار لا يمكن له إن يتخطاها وأن التوازن السليم إنما يتحقق بطريقة آلية. جهاز الثمن.
ويبدو لنا ان التوسع في تدخل الدولة قد جرى بسرعة على الرغم من أنه كان في بداية أيامه تدريجيا وهيابا، وكان في الأساس ذو طبيعة متقطعة ويوجه في الغالب إلى قضايا اقتصادية معينة بذاتها. أو يستجيب لمتطلبات عامة.
وأياً كان حجم التدخل على المستوى العملي وطبيعته فإننا يمكن أن نسوق الموضوع في إطار من العمومية لنؤكد أن الشطر المهيمن على الفكر الاقتصادي ومنذ عهد ( سمث ) والى عهد ( كينز ) كان يدعم دائما التوجه القائل : بأن المبرر الرئيسي لاقتصاد ما وللمؤسسات التي تؤلف كيانه، هي طاقة هذا الاقتصاد على سد حاجات المستهلك من السلع والخدمات ومن هنا كان لمثل هذا التوجه دوره في توسيع دائرة تدخل الدولة يدفعه إلى ذلك ثقل الأزمات الاقتصادية حتى ظهر على شكل من التنظير كان من أبرزها وأكثرها تأثيرا النظرية الكينزية، والتدخلية الجديدة، وهذا ما نحاول إلقاء الضوء عليه في الصفحات القادمة.
النظرية الكنزية
ارتبطت نظرية ( كينـز ) بالأزمة العنيفة التي تعرض لها العالم الرأسمالي في الولايات المتحدة وغيرها من بلدان أوربا وذلك سنة 1929 -1933 ومن هنا كانت وجهات نظر ( كينز ) قد تأثرت كل التأثر بهذه التجربة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى عد بعضهم نظريات ( كينز ) فاتحة تاريخ مهم في تطور الأفكار الاقتصادية وأرخوا لها تماما كما أرخوا لكتاب ( ثروة الأمم ) . ( لأدم سمث ) وكتاب ( رأس المال ) لــ ( ماركس ) ذلك لأنـه احدث تغييرا جذريـاً في النظريـة الرأسمالية، وخرج على جبرية قوانينها الاقتصادية بصورة جريئة تستحق التقريظ، وحتى ندرك حجم ما قام به ( كينز ) يجب علينا توضيح أن المشاكل المثارة في عصره كانت تدور حول نظريتين أساسيتين: إحداهما: الاستخدام الشامل ودور الدولة فيه، وحدود هذا الدور ونطاقه. وثانيتهما تدور حول نظرية النقود وذلك لعلاقتها الوثيقة والقوية بالتضخم والانكماش، وما يصاحبهما من اضطرابات عنيفة في الأسعار والتبادل الخارجي، وميزان المدفوعات الدولية. وسنحاول إلقاء الضوء على هذين الموضوعين وبصورة موجزة.
أولا: النظرية العامة… العمالة
لـم يتحـدث الاقتصاديـون التقليديـون(1) عـن العمالـة بصـورة تفصيليـة وظلـوا حتـى الثلاثينـات يفترضون أن البطالـة العامـة أمـر بعيد الاحتمال ومـرد هـذا أنهم قـد أخـذوا العمالة الكاملة بـدون تضخم باعتبارهـا أمـراً مسلماً، لأنهـم قبلـوا نظريـة(2) فـي العمالة مفادها، أن القـوى التـي تعمـل فـي داخـل النظـام الاقتصـادي كفيلـة بالاحتفـاظ بحجم الإنتـاج للاقتصـاد القومـي عنـد ذلك المستـوى الذي يمكن التوصل إليه في ظل الاستخـدام الشامل للعمل ولرأس المـال وانـه في ظـل الفردوس المتوازن يستطيع كـل من يستحق عملا أن يحصل عليه، وفي هـذا العالم الوهمي الـذي استطلعـه الاقتصاديـون الكلاسيـك منتفـي البطالـة سواء بالنسبة للقـوى البشرية أو بالنسبة للعوامـل الأخـرى، واذا حصـل وان حدثـت بطاله غير إرادية بصفة استثنائية فإن هذه القوى ستعمـل على إنهائهـا والوصـول إلى حالـة العمالـة الكاملة، وافترضت النظرية التقليدية أنه من غير الممكن أن يسود كساد كبير ولمدة طويلة، واذا حصل هذا فان سببه عناد العمال ورفضهم الأجور المخفضه.
وفـي الحقيقـة فـإن الأفكـار الأساسية للنظرية التقليدية في العمالة يمكن أن توضح من خـلال قانون ( ساي ) نسبة إلى الاقتصادي الفرنسي “باتست ساي” ومفادها أن كل عملية من عمليات الإنتاج تخلـق فـي حالـة توفـر ظـروف تنافسيـة حقيقيـة الطلـب الـلازم لشـراء السلعـة المنتجـة بثمـن يغطـي تكاليـف إنتاجهـا، واستحالـة حـدوث حالـة عامـة مـن فائـض الإنتـاج، ومـا يترتـب علـى ذلك من بطالـة شاملة لفترة ممتـدة يكـون مظهرهـا زيـادة العـرض الكلي للمنتجـات على الطلـب الكلـي محتجـاً بـأن العرض دائمـاً يخلـق الطلب عليـه، وذلك على حسـب الصياغة الجارية المتعارف عليهـا لقانونـه.
وبيان هذا أنه في ظل اقتصاد يقوم على المقايضة فإن المنتجات بتبادل بعضها في مقابل البعض الآخر، فمثلا عندما يرغب أحد الأفراد في الحصول على سلعة ما ( القمح ) مثلا فإنه لابد أن يقدم شيئا ما في مقابله ( المنسوجات ) في هذه الحالة يكون الطلب على القمح في آن الوقت عرضاً للمنسوجات، وكذلك العكس صحيح، فـإذا كانت المبادلة هي كل ما يحصل في الاقتصاد فإن العرض الكلي والطلب الكلي يجب أن يكونا متساويين وان اختلفا في المظهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) مصطلح الاقتصاديين التقليديين ابتدعه ( ماركس ) ليدخل فيه ( ريكاردو ) و ( جيمس مل ) والسابقين عليهما ولكن ( كينز ) ادخل في المدرسة التقليدية أولئك الذين تبنوا أفكار ( ريكاردو ) في الاقتصاد، وأولئك الذين عمدوا إلى إجراء تحسينات على هذه الأفكار وبالتالي يكون المصطلح عند ( كينز ) شاملاً لــ ( جون ستيوارت مل ) و ( الفريد مارشال ) والأستاذ ( بيجو ) المعاصر لــ ( كينز ).
( 2 ) يعد التحليل المفصل الوحيد عن النظرية الكلاسيكية في البطالة هو المخطط الذي وضعه الأستاذ ( بيجو ) ونظرية الاستخدام هذه قد بنيت عمليا على بديهيتين أساسيتين:
1. الأجرة مساوية للإنتاج الحدي للعمل : ومعنى هدا أن أجرة الشخص المستخدم مساوية للقيمة التي تصبح إذا أزيحت إحدى وحدات الاستخدام مع العلم أن هذه المساواة قد يطرأ عليها الخلل وفقأ لبعض المبادئ إذا كانت المنافسة والأسواق تتصفان بعدم الكمال.
2. منفعة الأجرة : حينما يستخدم حجم معين من العمل مساو للمنفعة الحدية لهذا الحجم من الاستخدام ومعنى هدا أن الأجرة الحقيقية للشخص المستخدم هي تلك التي تكون كافية لأن تجذب إلى السوق كل حجم العمل المستخدم فعليا، وهكذا فإن حجم الموارد المستخدمة بحسب النظرية الكلاسيكية يتحدد بالبديهيتين تحديدا مناسبا الأولى تعطينا منحنى طلب اليد العاملة، والثانية منحنى العرض ويستقر حجم الاستخدام عند نقطة تعادل منفعة الإنتاج الحدي مع منفعة الاستخدام الحدي.
أما في حالة إدخال النقود في الصورة فأن الأمر لا يتغير شيئاً وذلك لأن النقود عند “ساي” وغيره من التقليديين ليست إلا وسيلة تسهل التبادل، وتزيد في فعاليات الإنتاج، فهي ذات طبيعة أو وظيفة محايدة، ويعتقد التقليديون من “ساي” و” ريكاردو” أنه كلما عرضت منتجات في السوق فإنه يخلق تلقائيا طلبا مساويا في قيمته للدخول التي وزعت عوامل الإنتاج المشتركة في إنتاج هذه المنتجات، أي أن مجموع كلف الإنتاج تستدعي وبالضرورة من الجماعة وبأسرها أن تتفق وبطريق مباشر أو غير مباشر لشراء الإنتاج ، وبالرغم من أن هذا المبدأ في النظرية التقليدية غير صريح إلا أنه يفهم من القانون الذي تواضعوا عليه: هو (( إن العرض يخلق طلبه الخاص ))، وقد شرحه ( ستوارت مل ) في مبادئ الاقتصاد السياسي حيث بين أن (( وسائل دفع ثمن البضائع هي البضائع نفسها والأدوات التي يملكها كل فرد لدفع ثمن إنتاج الآخرين هي المنتجات الموجودة في حوزته والبائعون هم بالضرورة وبالمعنى الحقيقي للكلمة مشترون، لو استطعنا مضاعفة طاقة البلد الإنتاجية فجأة لتضاعف عرض البضائع في كل الأسواق ولضاعفنا القدرة الشرائية في نفس الوقت ولضاعف كل الناس طلبهم وعرضهم معا ولأصبح كل فرد قادرا على مضاعفة كمية الشراء، لأن كل فرد يعرض بالمقابلة كمية مضاعفة )) .
لقد ظل قانون ( ساي ) هو الأساس الذي بنيت عليه معظم الكتابات السابقة على الثورة الكينزية باعتباره التفسير الصحيح لكيفية عمل النظام الاقتصادي، وان القول بإمكان نقصان الطلب بصفة عامة ، ومن ثم وجود حالة عامة من فائض الإنتاج يعد خروجا عن الإجماع ، ويلاحظ أن هناك من الاقتصاديين حتى في الفترة المبكرة وقبل ظهور ( كينز ) من عارض هذا القانون مثل ( مالتس ) الذي حارب محاربة عنيفة نظرة ( ريكاردو ) القائلة بأن الطلب الفعلي لا يسعه أن يكون غير كاف إلا أن ( مالتس ) لم يتوصل إلى إعطاء نظرة قادرة على أن تحل محل النظرة المهاجمة، لأنه لم يفسر كيف ولماذا يمكن الطلب الفعلي أن يكون غير كاف ؟ وقد غزا ( ريكاردو ) إنكلترا غزواً تاماً كما غزت محكمة التفتيش إسبانيا فلم تقبل نظريته فقط في أوساط ( بوسطه لندن ) ورجال الدولة والجامعة، بـل إن كـل جدل قد توقف وسقط المفهـوم الآخـر في زوايـا النسيـان التـام، وانقطـع حتـى مجرد البحث فيه واختفت أحجية الطلب الفعلي الكبرى التي تصدى لها ( مالتس ) من الإنتاج الأدبي الاقتصادي حتى إننا لا نجدها مذكورة مرة واحدة في كل مؤلفات ( مارشال ) و ( أدجورث ) و ( بيجو ) الذين أعطوا النظرية الكلاسيكية اكمل شكل لها، ولم تتمكن من البقاء إلا خلسة في حمى ( كارل ماركس ) والماجور ( دوجلاس ) .
واذا كانت محاولة مالتس قد باءت بالفشل وطواها النسيان فإن ( كينز ) قد استطاع إقناع الكثيرين من مواطنيه أن يأخذوا مأخذ الجد العديد من نظرياته التي كان يعدها أغلب الاقتصاديين المحترفين ضربا من ضروب الجنون، ويرجع هذا إلى كفاءته النادرة، والى ظروف الأزمنة التي كان يكتب في ظلها، لقد عارض ( كينز ) النظرية التقليدية ورأى أنها وان بدت في شكلها منطقية إلا أنها لا تنطبق على العالم الحقيقي ذلك، لأن الحالة التي افترضها وهي حالة ( العمالة الكاملة ) من غير الممكن أن تتحقق في صورة الوضع الاقتصادي المعتاد بطبيعته التلقائية وبدون تدخل في عمل القوى التي تحكمه لأن معادلة العرض والطلب إنما تصح لا مع عوامل الإنتاج العاملة وحدها بل وغير العاملة أيضا، لأنه ليس هناك من الوجهة الطبيعية ما يجعل بعض العوامل التي تعجز عن أداء وظيفتها، تؤدي تلك الوظيفة في حالة انعدام وجود إجراءات محددة لتحقيق هذا الغرض.
نعم من الممكن الوصول إلى العمالة الكاملة وذلك في حالة التدخل في تسيير القوى التي تحكم النظام الاقتصادي، وذلك إنما يتحقق بشيئين أحدهما: وهو الميل إلى الاستهلاك ( دالة الاستهلاك ).
وثانيهما: الاستثمـارات الجديـدة ( دالـة الاستثمار ) فالميـل إلى الاستهلاك ومقدار التوظيف الجديـد هما اللذان يحددان معا حجم الاستخدام ولا يمكن إن يتحقق توازن الدخل عند مستوى العمالة الكاملة إلا في حالة واحدة وهي عندما توجد علاقة محددة بين حجم الاستثمارات الجديدة ودالة الاستهلاك مفادها أن يكون حجم الإنفاق على الاستثمارات الجديدة مساويا تماما للفرق ما بين حجم الدخل القومي عند مستوى العمالة الكاملة وحجم الإنفاق ( الاستهلاك ) الذي يتناسب مع هذا المستوى.
وهكذا تكـون العمالة هـي حالـة واحـدة من حالات متعددة في طرفهـا الآخـر البطالة وهـذه الحالة حالة مثالية كما عبر عن ذلك ( كينز ) من أن الطلب الفعلي الذي يتناسب مع مستوى العمالة الكاملة هو حالة خاصة وهو يتحقق فقط عندما يتخذ كل من الميل للاستهلاك، والدافع على الاستثمار أحدهمـا في مواجهـة الآخـر شكـل علاقـة معينة وهذه العلاقة المعينة هي التي تتناسـب مـع الافتراضات التـي تقوم عليها النظرية التقليدية، وهي علاقة مثلى لا يمكن أن توجد إلا إذا حـدث – سواء بالصدفة أم بالقصد – أن قدم الاستثمار الجاري مقدارا من الطلب مساويا تماما لمقدار الزيادة في ثمن العرض الكلي للناتج عند مستوى العمالة مما يرغب الجميع من إنفاقه عند هذا المستوى.
وفـي الحقيقة فـإن النظرية التقليدية بافتراضها العمالة الكاملة أساساً، قد كانت مسرفة في التفـاؤل(1) ذلك، لأن الوصول إلى تلك العلاقـة المثلـى بيـن الاستهلاك والاستثمار غيـر ممكن في كـل الأحوال، ويرجع ذلك إلى طبيعة الاستثمار أكثر من رجوعه إلى طبيعـة الاستهـلاك فالميل إلـى الاستثمار محكوم باعتبارات متعـددة ومختلفة بعضها متوقـف على توفـر الفرصة المربحة، وبعضها الآخر على درجة المخاطرة، بالجملة فإن الاستثمار متوقف على ما يقوم به المنظمون الخصوصيون والعموميون من نشاط ، وإذا ما قل الاستعداد لسبب من الأسباب لاستغـلال الأموال فـي شـراء أدوات الإنتـاج فلابـد مـن انخفـاض الطلـب على الأيـدي العاملـة وبالتالـي تدنـي الدخـل والاستهلاك معـاً.
وإذا مـا انتهينا إلى أن الاستثمار هو العامل الأكثـر تقلبـاً من فترة إلى أخرى – وقد يحدث هذا بصفة مفاجئـة – من بين العوامل التي يتوقف عليها حجـم العمالة فـي الاقتصاد القومي فمعنى هذا أن الاستثمار هـو المحدد الأهم لمستوى العمالة وهكذا ينتهي ( كينز ) إلى أن البطالة إنما تحدث أساسـاً نتيجة لنقص هـذا الإنفاق عن المقـدار اللازم لتعويض الادخـار الكلي عند مستوى العمالة، وتأسيساً على هذا لا يمكن إن تكون الأجـور المرتفعة منفردة هي السبب الرئيسي فـي البطالـة وإنما يرجع ذلك لسبب آخـر في نظـر ( كينز ) وهو أن كـل مدفوع له جانبان فالذي يتسلمه يحصل على دخـل يوازي ما ينفقه من يدفع ولا أكثر من ذلك والدخل ينساب في دائرة حـول النظام الاقتصادي، فـإذا حصل هبوط في الطلـب العـام فالسبب لا محالة هو انكماش في أسباب الدخل، وهنا لابـد من معرفة الأسباب التي تـؤدي إلى هذا الانكماش، ومن الـذي يمنع المال من الجريـان في دائرتـه حـول الاقتصـاد ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أو كما عبر ( كينز ) بقوله : ((هذا التفاؤل الشهير الذي صار ينظر إلى الاقتصاديين بسببه على أنهم مثل كانديه – وهو بطل قصة لفولتير معروف بهذا الاسم – هجروا العالم ليزرعوا بستانهم، وصاروا يعلمون بأن العالم على أحسن ما يرام ولكن بشرط أن نطلق له العنان فيرجع فيما نعتقد إلى الجهل بالعائق الذي يضعه نقص الطلب الفعلي في وجه الازدهار، وربما كانت النظرية الكلاسيكية تصف الطريقة التي تتمنى يسير ان اقتصادنا بمقتضاها ولكن الافتراض بأنه يسير حقا على هذه الصورة يعني افتراض جميع المصاعب محلولة )) .
للإجابة على هذا نقول ظلت النظرة التقليدية تذهب إلـى أن كـل فعـل ادخـاري فـردي يؤدي لا محالة ويعـادل توظيفـاً للعمـل والبضائع غير اللازمة للحاجـة الاستهلاكية في إنتـاج السلـع التجهيزيـة وأن كـل عملية من عمليات الادخـار تضمن في الوقـت ذاته استثمـاراً مماثـلاً فـي الرأسمـال الحقيقـي مما يـؤدي إلى سحـب نسبة كافيـة من السلع تـؤدي إلى زعزعـة مركز تكاليف الإنتـاج بحيـث تجعلهـا أسعـاراً مربحـة تؤدي إلى الإبقـاء على عوامل الإنتـاج في حالة نشـاط دائـم ومـن ثـم فـأن الادخـار الفـردي قـد يساعـد علـى التوظيـف الجـاري بقـدر مـا ينقـص الاستهـلاك الحالــي، أو كما عبر مارشـال (( إن دخـل كـل فـرد ينفـق بتمامـه فـي شـراء البضائـع والخدمـات لا شـك فـي انـه يقـال عـادة أن الإنسـان ينفـق جـزء مـن دخلـه ويدخـر الباقـي، ولكنهـا حقيقـة اقتصاديـة مألوفـة إن المرء يشتـري البضائـع والعمـل أيضـاً بالقسـم المدخـر كمـا بالقسـم المنفـق بالمعنـى العـادي للكلمة ))(1).
إن ( كينز ) وقبله ( ويكسل ) يذكر هذه النظرية التقليدية ويصفها بالسخف والمغالطة ذلك، لأن تطبيـق هـذه النتائج على نوع الاقتصاد الذي بلا تبادل(2) وان التفكير المعاصر لم يزل مشوباً بالفكـرة القائلـة (( إن النقـود إذا لم تنفق بهذه الصـورة فستنفـق بصـورة أخـرى )) وهـي بعـد هـذا تخلـط بيـن نشاطيـن مختلفيـن اختلافـاً جوهريـاً وذلك بإقامتهـا رابطـة عفويـة بيـن قـرارات الامتنـاع عـن استهـلاك مباشـر بقـرارات استهـلاك مقبـل فـي حيـن أنـه ليـس هنـاك ثمـة علاقـة بيـن الدوافـع المعينة للقرارات الأولى والدوافع المعينة للثانية وذلك، لأن قرارات الاستثمار وقـرارات الادخـار منفصلـة فـي المجتمـع الاقتصـادي الحديـث فينـدر جـداً أن يكون الأفـراد الذيـن يقـررون بنـاء المصانـع هـم أنفسهـم الذيـن ادخروا نقودهم مـن أجل دفـع ثمن هـذه المصانـع، ففـي الاقتصـاد النقـدي الحديـث ليس هناك تلك الحلقـة التلقائيـة المباشـرة بيـن الادخـار والاستثمـار ذلك، لأن مجـرد الامتناع عن الاستهـلاك لا يخلـق طلبـاً مـا علـى السلـع وان خلـق مثـل هـذا الطلب لا يتم إلا إذا رافق كل عملية من عمليـات الادخـار استثمـار مماثـل فـي شـراء معدات الإنتاج.
ولكـن لمـا كـان المدخـر يدفـع نقـوده إلـى شركـة التأميـن وبنـوك التوفيـر فـأن هـذه النقـود قـد لا تـأخـذ طريقهـا نحـو استثمـارات جديـدة كبنـاء المصانـع والمعـدات خصوصـاً فـي أوقـات الكسـاد والازمـات الاقتصاديـة وفـي هـذه الحالـة تحبـس النقـود عـن الاستهـلاك قـدراً أكبـر أو أقـل ممـا ينفـق فـي الاستثمـار ممـا يسبـب الهبـوط والارتفـاع فـي مجـرى الدخـل الكلـي ذلك لأن دخـول أهـل بلـد مـا هـو يحـدد إنفاقهـم أي طلبهـم الكلـي الكامـن وذلك فـي حالـة الإنفـاق. أمـا الجـزء المدخـر فإنـه لا يمكـن أن يكـون جـزء مـن الطلـب إلا فـي حالـة توظيفـه فـي استثمـارات جديـدة، ولكـن مـع ذلك فـأن الادخـار إذا زاد علـى الاستثمـار فـأن جـزء مـن المـال سيحبـس مـن رصيـد الإنفـاق فيقصـر الطلـب فـي هـذه الحالـة وتنخفـض الأسعـار. أمـا فـي حالـة مـا إذا حصـل العكـس وزاد الاستثمار على الادخـار فـأن الطلـب الكلـي سيزيـد وفـي نفـس الوقـت ترتفـع الأسعـار ولكـن في كل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفـي الحقيقة فإن المذهب التقليـدي لم يعد يشرح اليـوم بمثل هـذه الصورة الفجة كما هـو واضـح من كتابات (مارشال ) و ( ادجوورث ) و ( بيجو ) ولكن هذا لا يمنع انه الأساس الذي لم تزل تستند إليه العقيدة الكلاسيكية.
(2) المقصود بالاقتصاد المتبادل : هو اقتصاد ( روبنسون كروزو ) وطبقاً لهذا الاقتصاد الذي لا وجود للنقود فيه فالقرار بالادخار دائما يعني وبالضرورة قرارا بالاستثمار فى الوقت نفسه فالاستثمار والادخار ليسا متساويين فحسب بل هما نفس الشئ تماما فهما مجرد طريقتين مختلفتين لنفس القرار فإذا قرر (كروزو) تمضية الصباح فى عمل شبكة للصيد فهو قد قرر في نفس الوقت ادخار صباحه بامتناعه عن استهلاكه إياه فهو قد رفض استخدام صباحه فى صيد السمك فهو قد امتنع عن الاستهلاك وبطريقه تلقائية، أما فى الاقتصاد النقدي فلا وجود لهذه الحلقة التلقائية بين الادخار والاستثمار.
الأحوال فأن ( كينز ) يـرى إن (( أصـل الـداء يكمـن فـي أن فعـل الادخـار لا يقتضـي الاستعاضـة عـن استهلاك جـار بزيـادة معينـة فـي استهـلاك مقبـل يتطلـب إعـداده نشاطـاً اقتصاديـاً كإعـداد الاستهـلاك المعـادل للمبلـغ المدخـر )) ويـرى أن (( فعـل الادخـار يخفـض فقـط سعـر السلـع الاستهلاكية بصـورة مستقلـة عـن الفعاليـة الحديـة للرأسمـال الموجـود، بـل قـد يضعـف هـذه الفعاليـة الحديـة ذاتهـا بشكـل فعلـي وفـي هـذه الحالـة يقلـص طلـب التوظيـف الفعلـي كمـا يقلـص طلب الاستهلاك الحالـي )) .
نظرية النقود
ظلت نظرية كمية النقود(1) هي السائدة حتى الثلاثينات وقد اعتقد التقليديون أن قيمة النقود إنما تتوقف على كميتها أو حجمها وركزوا جهودهم في التغيرات التي تطرأ على العلاقات بين مستوى الأسعار وكمية النقود في تفسير ما يحدث من تغير في قيمة النقود.
وفـي الحقيقة فإنه لا يوجد شكل واحد لهذه النظرية وإنما عدة اتجاهات أو أشكـال يجمعها اتفاقهم على أهمية العلاقـة بيـن كمية النقـود ومستوى الأسعـار ويفرقهم اختلافهـم فيمـا بينهـم في درجـات تأكيدهم على تلك العلاقـات(2) ووفق النظرية التقليدية فأن النقود سلعة من السلع، وبالتالي فـأن ثمنها يتحدد طبقـاً لظـروف العـرض والطلـب الخاصين بهمـا إلا أنه مع ذلك يجب ملاحظة أن النقـود ليسـت سلعـة كباقي السلع وان كانت خاضعة لمعيـار الندرة والكميـة عند تحديـد القيمة شأنها فـي ذلك شـأن السلع لأنها تتغايـر مع السلع في جانب الطلب، لأن منفعتهـا ليست مباشرة وإنما تحـدد قدرة صاحبها علـى الحصول على مختلف السلع فـي مقابلها، ومـن هنـا كانـت وظيفتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النظرية الكمية بدأت بملاحظة تاريخية أبداها ( جان بودان ) من حيث أن زيادة كمية النقود المتداولة ( الذهب والفضة ) نتيجة توارد الكثير من هذه المعادن من المستعمرات أدت إلى زيادة عرضها كنتيجة للطبيعة الازدواجية للنقود المعدنية مما يجعلها خاضعة لقواعد الندرة في تحديد القيمة، وقد تبع هذا التقليد بقية المفكرين في نفس الموضوع ( دافيد هيوم ) وتحدث عن سرعة التـداول ( كانتيون ) وعمم ( ريكاردو ) التحليل السابق على النقود الورقية مفسراً حالة التضخم وارتفاع الأسعار وانتهـى إلى أن زيـادة كمية النقود لن تـؤدي إلا إلى زيادة الأسعار. إن الصياغـة النهائية لهذه النظرية تمت على أيـدي كــل مـن ( فيشر ) 1971 ومعادلته المعروفـة عـن التبــادل و(مارشال ) و ( بيجو ) من خلال محاولتهما عن الدخل والرصيد السائل وما اصطلح على تسميته معادلة (كمبرج).
ويلاحظ أنه بالرغم من أن المعادلتين تبحثان نفس الظاهرة وهي مستوى الأسعار وعلاقتهما بكمية النقود إلا أنهما يختلفان في طريقة البحث فمعادلة ( كمبردج ) تهتم بالمال المحتفظ به سائلا أو عدم الإنفاق أما معادلة التبادل فتهتم بفكرة الإنفاق وبسرعة التداول لهذا الإنفاق وتأسيسا على هذا تكون المعادلة الأولى تركز على العوامل التي يتوقف عليها طلب الأشخاص للنقود أما المعادلة الثانية فتهتم بالعوامل التي تؤثر على عرض النقود وكميتها.
(2) هناك ثلاثة أشكال لنظرية كمية النقود وهي:
1. معادلة التبادل: أو ما تسمى بمعادلة ( فيشر ) نسبة إلى الاقتصادي الأمريكي ( فيشر ) وتقول هذه المعادلة أن حاصل ضرب كمية النقود في عدد مرات تداول كل وحدة من النقود في فترة زمنية – مستوى أسعار السلع مضروبة في كمية السلع المشتراة فى أثناء هذه الفترة.
2. هناك ما يسمى بالشكل الجامد لنظرية كميه النقود ومفادها أن الأثمان تتغير دائما بنفس نسبة تغير كمية النقود بمعنى انه إذا تضاعفت كمية النقود تضاعفت الأثمان. أيضاً وإذا نقصت النقود إلى النصف انخفضت الأثمان إلى النصف.
3. هدا الشكل ينكر إن هناك علاقة سببيه محددة بين الأثمان والنقود، ويقول انه إذا زادت كمية النقود فأن الأسعار سترتفع، وانه إذا انخفضت فإن الأسعار ستنخفض غير أن أحدا لا يمكنه الجزم بالمقدار الذي تتغير به الأسعار نتيجة لتغير كمية النقود.
مختلفة عـن وظيفة كافـة السلع في المبادلة والحصول على السلـع الأخرى ومـن ثـم فـأن انخفاض قيمة النقـود نتيجة لزيـادة كميتها يعني ارتفـاع كافـة الأشياء فـي مقابلها مما يعني أن للنقود مقياساً محايداً للقيمة.
وبالجملة فإن النتائج التي توصل إليها التقليديون هي أن أي زيادة في كمية النقود يستتبعه بالضرورة زيادة في الأسعار، وأي نقص في كمية النقود فانه يستتبعه نقص في الأسعار، وهكذا ظلت النظرية التقليدية هي النظرية السائدة بدون منافسة أو مزاحمة من قبل أي نظرية أخرى في تفسير قيمة النقود.
النقود ومستوى الأسعار
الواقع أن التحليل الاقتصادي المعاصر لمستوى الأسعار وقيمة النقود يختلف اختلافا جوهريا، لأنه يتم من خلال نظرية جديدة تتصف بالواقعية والدقة في التحليل، ويرجع الفضل في صياغة النظرية الحديثة في حقيقته وجوهره إلى ( كينز ) صحيح أن في البناء التكويني للنظرية الكينزية أفكاراً. متضمنة ترجع إلى الفترة السابقة على ( كينز ) إلا أن هذه الأفكار متناثرة هنا وهناك وتنسب إلى مفكر أو آخر وهي في النهاية لا تشكل نظرية مستقلة . إن التحليل المتكامل الذي يستحق أن يطلق عليه اسم نظرية في النقود والأسعار هو من دون شك من صنع ( كينز ) ولم يسبقه إلى ذلك أحد.
لقد وصف ( كينز ) نظرية كمية النقود بأنها بديهية لها صفة الصحة المطلقة في جميع الظروف وان كان ينقصها المغزى ويرى أنه (( ثمة عيب كبير في النظرية الكمية حين تطبق على الواقع هو أنها لا تميز بين تحولات الأسعار، تلك التي تنشأ عن تحولات الإنتاج وتلك التي تنشأ عن تحولات وحـدة الأجر، ولعله يمكن تفسير هذا الإهمال بالفرضية المزدوجة القائلة بأنه لا يوجد أبدا ميـل إلـى الادخار وأن هناك دائما استخدام تام )). وتأكيدا لهذا الاتجاه راح ( كينز ) ينقد هذه النظرية، لأنها قامت على أساس الفصل بين نظرية القيمة ونظرية النقود والأسعار.
فالاقتصاديون التقليديون عندما يتحدثون عن نظرية القيمة نجدهم عادة مهتمين بالتأكيد على أن شروط العرض والطلب هي التي تتحكم بالأسعار وتلعب تحولات النفقة ( الكلفة ) الحدية ومرونة العرض في الفترة القصيرة دوراً. بارزاً وأساسياً في تكوين الأثمان. أما عندما يتحدثون عن نظرية النقود فتراهم ينسون تلك الأفكار ونجد أنفسنا وجها لوجه إمام تحليل جديد تتحكم فيه بالأسعار كمية العملة وسرعة تحولها إلى دخل وحجم التعامل والتكنيز إلى آخره ولم تصدر أبدا أي محاولة لربط هذه التعابيير الغامضة بمفاهيم العرض والطلب القديمة ولكن إذا ما حاولنا الربط بين تلك الظواهر النقدية وبين الأفكار السابقة المتعلقة بأمور العرض والطلب نلاحظ أن مرونة العرض تعتبر معدومة القيم والطلب متناسب مع كمية العملة.
وتأسيساً على هذا يرى ( كينز ) أنه من الواجب النظر إلى هذه الأفكار بصورة أكثر معقولية، وذلك إنما يتم بتحقيق الربط الكامل بين نظرية القيمة، ونظرية النقود فيبحث ابتداء عن مرونة الثمن بالنسبة لتغيرات الطلب الكلي والعرض ثم يقوم بعد دلك بدراسة أثر التغير في هذه الدوال على التغير في كمية النقود، ويحاول أن يؤسس ذلك الاتصال الكامل والفعال بين النظريتين على أساسين:
أحدهما: كيفية تحديد مستوى الأسعار وما هي العوامل التي تؤثر في هذا المستوى(1) .
وثانيهما: دور النقود. في تحديد ذلك المستوى ومتى يبدأ ويبحث ماهية العناصر التي تؤثر فيها هذه الظواهر النقدية، والطرق التي تؤثر بواسطتها التغيرات في العرض والطلب والمرونة على قيمة النقود والأسعار(2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يرى ( كينز ) أن العوامل التي تحدد الأسعار في الصناعة الجزئية انما تتوقف على دخول مختلف عناصر الإنتاج، ولا يرى سببا لتغيير هذه القاعدة في حالة الانتقال من الصناعة إلى مجموع الصناعات فالمستوى العام للأسعار متوقف على معدل مكافأة عناصر الإنتاج الداخلة في الكلفة الحدية وبدرجة الإنتاج الإجمالي، ويقاس عادة بالتشغيل مع ملاحظة أنه في حالة الإنتاج ككل فإن كلف الإنتاج ترتبط جزئيا بظروف الإنتاج في الصناعات الأخرى لأن هناك علاقة ( تبعية وتكامل ) بين مختلف الصناعات.
(2) يصوغ ( كينز ) نموذجين لبيان العلاقة بين نظرية القيمة ونظرية النقود وهما:
أولا: النموذج المبسط :
ويفترض فيه ( كينز ) ما يلي:
1. إن الطلب يتغير بنفس النسبة التي تتغير فيها كمية النقود.
2. إن عوامل الإنتاج متعطلة.
3. وحدة الأجر ثابتة طالما هناك عناصر إنتاج متعطلة.
4. ان عوامل الإنتاج قابلة للإحلال بعضها محل بعض.
فكيف يمكن إن تؤثر كميه النقود على الأسعار ؟ هنا يفرق ( كينز ) بين حالتين:
أ‌- حالة يكون فيها الاقتصاد القومي متميزا بوجود موارد غير مستغلة وبخاصة الموارد البشرية وفى مثل هذه الحالة فإن تزايد كميه العملة تؤدي بالضرورة إلى زيادة الإنفاق والطلب الفعال زيادة متناسبة ومماثله لكمية النقود وهذا يؤدي بدور، إلى زيادة مماثلة في حجم التشغيل.
ب‌- حالة يكون فيها الاقتصاد القومي متميزاً، بالاستخدام التام لكافة الموارد ويضمنها الموارد البشرية ففي هذه الحالة فان زيادة كمية النقود تؤدى بالضرورة إلى زيادة في التشغيل لعدم وجود موارد معطلة.
ثانياً: النموذج الحقيقي أو الواقعي:
وفيه يحرر ( كينز ) نموذجه من الفروض المبسطة السابقة ويحاول أن يبين كيفية تأثير كمية النقود الإضافية على مستوى الأسعار من خلال العرض والطلب، وقد بين ذلك في اتجاهين:
احدهما: النقود والعرض: وقد فرق فيه بين حالتين :
1. حالة تمس حجم التشغيل فزيادة الطلب الفعال نتيجة زيادة كمية النقود يترجم كقاعدة عامة بزيادة في التشغيل من جانب، ومن جانب آخر بزيادة في الأسعار، فالأسعار بدلا من أن تبقى ثابتة عندما توجد حالة تشغيل جزئي وتزيد بنفس النسبة مع زيادة كمية النقود في حالة التشغيل الشامل فهي تزداد تدريجياً بزيادة التشغيل في الحالة الأولى وتتغير بطريقة غير تناسبية مع زيادة كمية النقود في حالة التشغيل الكامل وهذه الظاهرة تفسرها عدة عوامل مؤثرة في العرض والطلب وأول هذه العوامل سعر الفائدة ذلك، لأن زيادة كمية النقود سوف تؤدي إلى انخفاض سعر الفائدة وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة الإنفاق وزيادة الطلب الفعال، وفي نفس الوقت الزيادة في التشغيل ولعل الجديد في هدا التحليل إن الزيادة في التشغيل لا تكون بنفس نسبة الزيادة في الإنفاق والطلب الفعال فالزيادة غير المتناسبة مع كمية النقود تؤدي إلى تناقص العائد نتيجة استخدام إنتاج أكبر بنفس النفقات وهذا يؤدي إلى زيادة النفقات ويقلل من درجة مرونة الطلب ومن ثم ترتفع الأسعار.
2. وحالة تتعلق بتأثير كمية النقود على الأجور وفيه يذهب ( كينز ) إلى أن زيادة كمية النقود تؤدي إلى زيادة الطلب الفعال مع ملاحظة أن جزء من الزيادة يذهب إلى سد الزيادة في مستوى الأجور مما يزيد في نفقات الإنتاج وبالتالي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى قبل وصول مرحلة التشغيل الشامل.
وثانيهما: الاتجاه الثاني وهو الطلب الحقيقي وكمية النقود فالطلب يعتبر هو العنصر المحرك في النظرية الكينزية فتأثير النقود على الأسعار من خلال الطلب على السلع الإنتاجية يكون أكثر وضوحا وايجابية، فالطلب الكلي من خلال الطلب الفعال يؤثر في حجم الإنتاج ومستوى الأجور وبالتالي على النفقات والتي تمثل العوامل المباشرة لزيادة الاجور وبالتالي على النفقات والتي تمثل العوامل المباشرة لزيادة الأسعار في نظرية ( كينز ). ويبحث (كينز) كيفية هذا التأثير، ويرى أنه متوقف على تحديد مكونات الطلب والظروف المحيطة بهذه المكونات، وهذه =
وفي الحقيقة فإن نظرية كمية النقود التقليدية على الرغم من أنها قادرة على ان تفسر لنا ما يحدث وذلك في حالة ما إذا كانت العمالة كاملة وتوقف الإنتاج عن الزيادة. وهذه هي الحالة التي تتفق فيها المدرسة التقليدية مع النظرية الكينزية، إلا أن نظرية الكمية لا تستطيع على الإطلاق أن تفسر لنا شيئا مما يحدث وذلك عدما يكون الاستثمار والإنتاج كلاهما في ارتفاع، أو عندما لا يكون للزيادة في كمية النقود أي تأثير على الأثمان وذلك عندما تؤدي هذه الزيادة إلى مجرد زيادة الإنتاج وحتى في حالة الاتفاق المتقدمة ( حالة العمالة الكاملة ) ، فإن الاتفاق بين الآراء الكينزية والآراء التقليدية هو في حقيقته وجوهره اتفاق على النتائج وليس اتفاقا على الأسباب والذي يدعم هذا أن الاختلاف لم يزل قائما بين النظريتين حول طبيعة العلاقة بين ارتفاع الأسعار، وبين زيادة عرض النقود.
فالتقليديون يرون أن السبب في زيادة الأسعار هو زيادة عرض النقود اما السبب عند ( كينز ) فهو ذلك الأثر المترتب على زيادة النقود وهو انخفاض سعر الفائدة إلى حد لا يشجع على الاستثمار القادر على خلق عمالة كاملة. وفي حالة الوصول إلى هدا المستوى من العمالة فإن أي هبوط آخر في سعر الفائدة سيؤدي إلى رفع الأسعار النقدية دون إن يكون له أثر فعال في رفع حجم الاستهلاك الحقيقي. أو رفع حجم الاستثمار الحقيقي. وهكذا لاحظ ( كينز ) – وبحق – إن النظرية النقدية كانت معزولة عن الاقتصاد الرأسمالي وقلما تجيء في دراسات وأبحاث الاقتصاديين عن الأزمات سيما أزمة 1929 فحاول أن يؤسس على هذه الحقيقة حقيقة أخرى مفادها إن النظرية التقليدية ظلت تذهب إل استحالة حدوث أزمة، أو ركود حتى حدثت وبصورة أكثر اتساعاً وشمولية من أي أزمة أخرى، ومن هنا ربط ( كينز ) النظرية النقدية بالأزمة الاقتصادية باعتبارها واحداً. من الأسباب الرئيسية في حدوث الأزمات والركود، وقد كان على حق حين افترض إمكانية فقدان التوازن الاقتصادي نتيجة للدورة النقدية في المجتمع.
ومـن خـلال العـرض المتقـدم يتضح لنـا أن ( كينز ) قـد اكتشـف ذلك الصـدع فـي الوظيفـة المزدوجـة للنقـد الـذي يمثـل في آن واحـد وسيلـة تبـادل ووسيلة دفـع للبضائع في السوق ويستطيع الأفراد أن يتخذوا قرارين بصدد ما في حوزتهم من مبالغ أحدهما قـرار استهلاكها وثانيهما قـرار اكتنازهـا ومـا دام حجـم الطلـب هـو الـذي يحدد مستوى النشاط الاقتصادي فإن هذا المستـوى سينقلب بوجـه خـاص مع الميـل إلـى الاستهلاك تبعا لإنفاق الدخول أولا، ولما كان الأفراد في الأعم الأغلب ينفقون دخولهم فإن التوظيفات هي التي تحدد في التحليل النهائي حجم الطلب والاستخدام والإنتاج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكونات تتمثل في نوعين من أنوع الطلب:
أحدهما: طلب المنتجين والمشروعات وهذا يتأثر بقرارات المنتج أو المشروع المتعلقة بحجم الإنتاج والتوزيع بين الإنتاج الاستهلاكي والإنتاج الاستثماري.
وثانيهما: طلب الأفراد وهذا بدوره أيضا خاضع لقرارات الأفراد شان توزيع دخولهم ين الادخار والتوظيف والاستهلاك . أما الظروف المحيطة بهذه المكونات فيذهب ( كينز ) إلى أنه سواء تعلق ذلك بطلب المنتجين وتوزيع دخولهم الكلية، أو تعلق بطلب الأفراد وتوزيع دخولهم الفردية فإن زيادة الطلب وعدمه يتوقف بشكل أو بآخر على فكرة الميل للسيولة والعوامل أو الدوافع وراء هدا التفضيل ويلخص العوامل المحددة لتفضيل السيولة بأربعة دوافع هي:
1. دافع الاحتياط .
2. دافع المضاربة .
3. دافع الدفع .
4. دافع المشروع .
دور الدولة
على الرغم من أن دور الدولة لم يظهر في الفكر الكينزي حتى هذه السطور إلا أنه ما كان بالإمكان معرفة هذا الدور لولا ما قدمناه من تحليل لهذا الفكر ذلك لأن فكر ( كينز ) في حقيقته وجوهره، أو في غاياته وأهدافه يسعى إلى بيان دور الدولة في الاقتصاد، وضرورة تدخلها، وأن ترك الاقتصاد للسوق وقواه التلقائية ليس بإمكانه أن يوصلنا إلا إلى الفوضى وعدم الاستقرار والتوازن، فمن دون التدخل الحكومي في الاقتصاد يبقى هناك شبح حدوث البطالة الجماهيرية، وحدوث الكسادات الدورية وإذا صح لنا أن نعيد صياغة ما تقدم فإن النظرية الكينزية ليست إلا اصطفاء التحولات التي تستطيع السلطة المركزية أن تؤمن الإشراف عليها أو إدارة دفتها، عن دراية ضمن النظام الذي عاش فيه.
ومن هنا نجد ( كينز ) قد زاد من دائرة عمل الدولة في مجال الإنفاق وقيامها بعمليات استثمار واسعة وذلك عندما يضعف الحماس ويتزعزع تفاؤل رجال الأعمال الذي يدفعهم إلى الامتناع عن القيام بتوظيفات جديدة ذلك، لأن الدولة إذا أخذت على عاتقها القيام بأي مشاريع للاستثمار فإنها ستكون نافعة بصرف النظر عن أي حساب دقيق لغلتها المتوقعة، لأن الأموال التي تستثمرها قادرة على أن تولد دخلا يوازن الأرباح على أن الدولة حيـن توظـف أموالاً فإنما تتأثـر بالظن العـام القائـل بأنه يمكن انتظار بعـض المنافع الاجتماعية من التوظـيف بغـض النظر عن المردود التجاري الـذي سيتلخص منه(1)، وهكذا نستطيع من خلال التوظيفات الجديدة أن نخلق جـواً من التفاؤل بين رجال الأعمـال.
ولما كانت الدولة قادرة على أن تحسب الكفاءة الحدية لرأس المال عند إلقاء نظرة بعيدة واعتبار المصلحة الاجتماعية للجماعة فإن ( كينز ) يتوقع من الدولة أن تأخذ على عاتقها مسؤولية متزايدة في تنظيم التوظيف تنظيماً مباشراً.
إن ( كينز ) ظل يعتقـد بأن الدولة قادرة على أن تؤثر في مستوى النشاط الاقتصادي وذلك من خـلال الإنفاق سواء كان ذلك على الاستهلاك أو على الاستثمار، ومن ثم نستطيع زيادة الطلب وزيادة العمالة وبذلك يصبح من مسؤولية الدولة أن تتدخل للقيام بإنفاق جديد وطرح قوى شرائية في السوق إذا كان الطلب الإجمالي غير كـاف لتحقيق التشغيل الشامل، بيـد أنـه كـان ينظر إلـى تـلك النظريات التي تعتقد أن زيادة الاستهلاك هو الحل الحقيقي لمشكلة البطالة لا تخلو من المبالغة فـي عصر لا يـزال ينتظر فيه الكثير من المنافع الاجتماعية من ازدياد التوظيف، أو يأخذ عليها بأنها تهمل وجـود وسيلتين لزيـادة الإنتـاج، وأضاف بأنه شخصيا مأخوذ بالمنافـع الاجتماعيـة الناجمـة عن زيـادة رأس المـال ريثمـا يكـف عن أن يكون نادراً، ومع ذلك فإنه اعترف بأن الحكمة تقتضي السيـر في الاتجاهين معـاً. يقول ( كينز ) : (( وإذ نتمنـى بدافع من الروح الاجتماعية أن تكون سيالة التوظيف مسيرة بحيث تنخفض فعالية الرأسمال الحدية انخفاضاً تدريجياً نقبـل أيضاً أن تطبق في نفس الوقت كل التدابير الكفيلة بزيادة الميل إلى الاستهلاك وهاتان السياستان لا تزيحان أبداً بعضهما بعضا إذ ليس هناك ما يمنع من زيادة التوظيف مع رفع الاستهلاك في نفس الوقت )).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بيد أن الدولة تكترث قليلا بمعرفة هل يلبي التوظيف أم لا الشرط الذي ينص على أن يكون التنبؤ الرياضي بالمردود أعلى من معدل الفائدة الجاري على أن معدل الفائدة الذي تضطر السلطات العامة على دفعه يمكنه أيضا أن يقوم بدور حاسم بتحديد أهمية التوظيفات التي يمكن للسلطات أن تسمح لنفسها به.
وفي الحقيقة فإن ( كينز ) إذ أعطى أهمية بالغة للاستثمار أكثر من تلك التي أعطاها لطرف رفع الاستهلاك فإنه كان متناغما مع التحليل الاقتصادي السليم، لأن الاستثمار فضلا عما يحققه من منافـع اجتماعية متوخاة فهو واقع تحت مقدور الدولة وفي إمكانها مباشرته، وهـذا بخلاف الاستهلاك وذلك، لأن الاستهلاك يتوقـف على الدخل وعلى الميل إلى الاستهلاك ولما كان الدخل متغيرا تابعا فإنه لا يمكن تغيره إلا بتغير المتغيرات المستقلة في النظام – صحيح أنه من الممكن إجراء تعديلات على الميل إلى الاستهلاك وبالتالي رفـع الاستهلاك والـذي يـؤدي بـدوره إلـى رفـع الدخـل وارتفـاع الأخير يؤدي إلـى ارتفاعات أخـرى في الاستهلاك إلا أنه يبقـى الميل إلـى الاستهلاك محكوم بالعـادات والتقاليـد وبجوانب نفسية تمنـع المستهلك من إجـراء تعديلات على خياراتـه، او تسمـح للآخرين بالتدخـل في شؤونه، وهكذا يكون ( كينز ) قد رأى أنه بإمكان المصاريف العامة أن تتدارك قلة التوظيفات الخاصة وذلك في الأحـوال التي يكون فيها هبـوط في الدخل وبطالة كثيفـة بالأصـل ويفضل المضاعف يزيد كـل مصروف عام الدخل القومي بمبلغ أكبـر منه هو نفسه، وهكذا تنشأ نظرية المصارف العامة الإضافية ( قانون مضخة الرواج ) وهكذا فإننا نذهب إلى عكس هذه السياسة وذلك حيـن يصبح هناك خطر حدوث حالة من التضخم ويوشك أن يقع ارتفاع كبير فـي الأسـواق فـأن خيـر وسيلـة لإنقـاص الطلب الفعال هو لجـوء الدولة إلى تقليص الإنفـاق الحكومي(1) الـذي يدعمه ارتفاع سعر الفائدة وفرض ضرائب على الإنفاق وعلى الاستهلاك وهـذا الإجراء فضلاً عن سرعته وسهولته ولا يتسبب في إشكالات سياسية واقتصادية فإنه لا تكون له آثار ضارة على الاستثمار الخاص ومن ثم التوظيف، وهكذا يجب على الدولة التدخل لتحديد حجم الإنفاق والطلب الإجمالي بما يحقق الاستقرار النقدي، ويحول دون زيادة الأسعار بشكل رهيب.
وإذا كان ( كينز ) قد رأى أن من واجب الدولة أن تتدخل من خلال الإنفاق وتقليصه في حالة الانكماش والتضخم فإنه يرى وجوب تدخل الدولة والتأثير على توزيع الدخول تلك النقطة التي كانت واحدة من أكبر نقاط الضعف في الدولة الرأسمالية، وذلك من خلال فرض الضرائب التصاعدية، وضريبة الدخل، وضريبة الإرث، وهذا يحقق تقدما عظيما في تخفيض الفوارق الكبرى في الثروة والدخل، ويرى أن امتناع الطبقة الميسورة عن دفع هذه الضرائب يعاكس نمو الثروة أكثر مما يساعد عليه ذلك، لأن التجربة تبين أن ادخار المؤسسات وأموال الاستهلاك تؤمن في الظروف الحالية ادخاراً. يفيض عن الكفاية كما يتبين لنا أن الآراء التي تعيد توزيع الدخل في منحنى ملائم للميل إلى الاستهلاك قادرة على أن تسرع كثيراً. في تنمية رأس المال.
وهكـذا اعتقـد ( كينز ) أن التفـاوت الكبير في توزيـع الدخـل يميـل إلـى زيـادة الادخـار والحـد مـن الاستثمار وهـو بهـذا يتفق مع ( ماركس ) و ( روبنسن ) إلا انه أفصح عن آرائه بصورة أكثر دقـة ومهـارة ويلاحـظ أن ( كينز ) ظل يعتقـد أن العوامـل النفسانيـة والاجتماعية هـي التـي تبـرر ذلك التفـاوت فـي الثـروات والمداخيـل، ولكنه مع ذلك كان يـرفض أن تكون هنـاك أسبـاب حقيقيـة تبيـن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ويلاحظ أنه هناك عدة طرق لمعالجة الطلب الفعال والتضخم. أحدهما ما ذكرناه أعلاه. وثانيهما تخفيض الاستهلاك إلا إن هدا النوع من المعالجة يتوقف على الدخل وعلى الميل إلى الاستهلاك، وقد رأينا أنه محكوم بمقدار إقناع الناس بالادخار عند كل مستوى من مستويات الدخل وهذا مشكوك فيه في الأوقات العادية. وثالثها هو فرض ضرائب على الدخل الذي كان يتم إنفاقه على الاستهلاك. وهذا الإجراء فعال للحد من التضخم إلا أن له مصاحبات ضارة بأن يزيد من الادخار السالب أو يقلل من الاستثمار، لأنه يسمح لسعر الفائدة بالارتفاع وبالتالي تختنق المشاريع الأقل ربحا. رابعا: مهاجمة التضخم برفع سعر الفائدة وهذا يؤدي بدوره إلى تقييد الاستثمار وما يترتب عليه من آثار المضاعف على الدخل، وقد يؤدي إلى الانكماش، وقد يسبب تشاؤماً يزيد عن الحد بالنسبة لرجال الأعمال.
فـوارق بـارزة كالفـوارق الحاليـة فوجـود الفـوارق فـي الثـروة مبـررة عنـده بـأن، هناك نشاطات بشريـة نافعـة تتطلـب لتؤتـي أكلهـا كامـلاً مهما كـان الربح وإطار الملكية الخصوصية بـل أكثـر، إذ ان بأمكـان كسـب النقـود وتشكيـل ثـروة يستطيع أن يوجـه بعـض الميـول الخطـرة فـي الطبيعـة البشريـة إلـى طريقـة تكـون فيهـا هـذه الميـول نسبيـاً غيـر مضـرة فـاذا لـم يجـر ارضـاء هـذه الميـول علـى هـذه الطريقـة فقـد تجـد منفـذاً فـي القسـوة وفـي النشـدان الجامـح للسلطـة الشخصيـة، ولئـن يمـارس المـرء طغيانـه علـى حسـاب المودع فـي المصـرف خيـر من أن يمارسه علـى مواطنيـه.
ويلاحظ مما تقدم أن تدخل الدولة من خلال ما تفرضه من ضرائب هو في الحقيقة يحد من مزايا الملكية فيما يتعلق بالدخول ذلك لأنها تؤثر على حق الملكية الخاصة من حيث مدى ما تعطيه لصاحبها من دخل ومع ذلك فإن الأثر الكامل لهذه الضرائب لا يبدو واضحا ولا يحقق أهدافه إلا في ضوء معرفة اتجاهات الإنفاق العام وهي بدون أدنى شك عند ( كينز ) لا تخرج عن الأهداف الاجتماعية.
ثمـة شـيء ثالـث، يـرى ( كينـز ) ضـرورة قيـام الدولة بتنظيمه وهو ميل معدل الفائدة إلى الارتفاع، وقد ضل ( كينز ) على مدى نظريته الواسعة يؤكد هذه الحقيقة ويلح عليها فهو يرفض ذلك التبريـر الـذي يذهب إليه التقليديون(1) والذي يفيد أن ارتفاع سعـر الفائـدة يقـدم التشجيع الكافي للادخـار، لأنـه يعتقـد أن المقـدار الفعلي للادخار يتحدد تحديداً دقيقـاً بواسطة سيالة التوظيف، وأن التوظيـف إنما يتزايد كلمـا انخفض معـدل الفائدة، وان لا تسعى إلى رفعـه إلى المقـدار المقابـل للاستخـدام التـام، فهو يرى أن المقادير الحقيقية للادخار والاستهلاك الإجماليين لا تتعلق إطلاقاً فـي هذه القضيـة بـل يعتقـد أن كـل شيء يتعلـق بنسبـة ملائمة معدل الفائدة للتوظيف مع أخذ فعاليـة الرأسمـال الحديـة بعيـن الاعتبـار ومـن ثـم فـأن معـدل الفائـدة لـو كـان موجهـا بحيـث يبقـى الاستخـدام التـام دائمـاً لا استعادة الفضيلة حقوقها ولتعلقت سرعة تراكم الرأسمال بضعف الميل إلـى الاستهـلاك، وهـو يـرى أن السياسـة النقديـة فـي تخفيـض معـدل الفائـدة بإمكانهـا أن تنجـح إذا اعتبرهـا الـرأي العـام سياسـة ممكنـة معقولـة ومطابقـة للمصلحـة العامـة إذا استنـدت إلـى اعتقـاد راسـخ ودعمـت مـن سلطـة لا تتعـرض لخطـر الإزاحـة وذلك، لأن الـرأي العـام قـد يـألـف وبسرعـة انخفـاض معـدل الفائـدة وبالتالـي قـد يتبـدل التنبـؤ الاصطلاحـي بالمستقبـل، حينئـذ تكـون الطريـق مفتوحـة أمـام تقـدم جديـد، وهكـذا دواليـك حتـى نقطـة مـا. ويقـدم لنـا انخفـاض معـدل الفائـدة لأجـل طويـل فـي إنكلتـرا بعـد هجـر معيـار الذهـب مثـلاً هامـاً لمثـل هـذا التطـور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعد معدل الفائدة بالنسبة للمدرسة الكلاسيكية العامل الذي يسير بطلب التوظيف والاستعداد للادخار إلى التوازن، فالتوظيف يمثل طلب الموارد للتوظيف والادخار يمثل العرض أما معدل الفائدة فهو سعر الموارد للتوظيف الذي يجعل هاتين الكميتين متساويتين، وهكذا فإن سعر الفائدة يستقر كأي سوق أخرى عند معدل الفائدة عند نقطة تساوي المقدار الموظف بهذا المعدل مع المقدار المدخر بنفس المعدل. وقد تحدى ( كينز ) هذه النظرية إذ أعلن أن الادخار والاستثمار يجري تعيين كل منهما بصورة مستقلة عن الأخرى، ويرى ( كينز ) أن معدل الفائدة ليس السعر الذي يحقق توازن طلب الموارد للتوظيف والميل إلى الامتناع عن الاستهلاك المباشر، بل هو السعر الذي تتفق عنده الرغبات في إبقاء الثروة في شكل سائل مع كمية العملة الجاهزة ومعنى دلك أن معدل الفائدة لو كان اقل ارتفاعا لكان مقدار العملة الإجمالي الذي يود الجمهور الحفاظ عليه أكبر من الكمية المعروضة، ولو كان أكثر ارتفاعا لكان هناك فائض من مقدار العملة لا يود أحد أن يحافظ عليه ، ومن هنا يكون معدل الفائدة هو مكافأة الإحجام عن السيولة لفترة معينة وليس هو مكافئة الادخار.
وإذا كان ( كينز ) مدفوعاً إلى دعوة السلطة إلى ضرورة تخفيض معدل الفائدة بإيمانه إن هذا التخفيض هو الذي يشجع على الاستثمار فإنه كان مدفوعا بعامل آخر هو تضايقه الشديد من قيـام طبقة غنية تعيش على ملكيتها الأوراق المالية أكثر مما تعيش على الإنتاج، وقد أطلق عليها اسم حملة وثائق الدخـل، وقـد بشر ( كينز ) باختفاء حامل وثائق الدخل، أو الرأسمالي بلا مهنة من المجتمع وبصورة تدريجية دون أن يتطلب دلك القيام بثورة وذلك حين يميل معدل الفائـدة إلـى الانخفاض حتى يصل الصفـر واعتقـد أن اختفاء هذه الطبقة سيجر إلى الكثير من التبدلات الجذريـة الأخرى في هـذا النظام لأنه باختفاء حامـل وثائـق الدخل إنما تختفي معه تدريجياً القدرة القهريـة لدى الرأسمالي على أن يستثمر بصورة تبعية القيمة التي تمنحهـا القـدرة للرأسمـال ذلك أن الفائـدة (( لا تكافئ اليوم أي تضحية حقيقيـة، كذلك ريـع الأرض، ففي وسـع مقتنـي الأرض، لأن الأرض نـادرة ولكن حيـن تفسـر نـدرة الأرض بعلة ذاتية فإنـه ليس هناك أي سبـب ذاتـي يبـرر نـدرة الرأسمال أي: لا توجـد أي تضحية حقيقية يمكن للمكافـأة المقدمـة بشكـل فائـدة أن تدفع على ميولها )) وهكـذا يكـون ( كينز ) ومن خلال تعليقه السابق قـد رجع إلى ذات المبـدأ الـذي ناـدى به ( أرسطو ) في خصوص الفائدة فهو يرى أن الرأسمال في حد ذاته غير منتج(1) ورأى أن العمل بما فيه الخدمات الشخصية التي يسديها المنظم ومساعدوه هي عنصر الإنتاج الوحيد وهذا الأمر هو الذي يفسر اعتبار وحدة العمل هي الوحدة ألميتافيزيقية الوحيدة اللازمة في مذهب ( كينز ) دونما حاجة إلى وحدتي – العملة والزمن – وهكذا يكون قد حبذ قيام مجتمع يعتمد فيه الأفراد على ما ينتجون مـن سلع وخدمات في حياتهم أكثر من أولئك الذين يمتصون قوة الناس ويحتكرون الثروات ويكتنزون الأموال.
وفي نهاية المطاف يلخص ( كينز ) نتيجة مفادها أن إسناد بعض السلطات الإدارية التي كانت متروكة للمبادرة الخاصة إلى مؤسسات مركزية أمر لابد منه ذلك لأن الدولة في مركز يسمح لها بأن تأمر البنك المركزي بالقيام بعمليات السوق المفتوحة، وبشراء أوراق مالية، وبتخفيض سعر الفائدة وستؤدي هذه الإجراءات إلى جعل تمويل الاستثمار أرخص مما كان، وقد يصبح من اللازم على الدولة حينما يكف المنظمون عن القيام باستثمارات جديدة أن تقوم هي نفسها ببرنامج استثمار حكومي، ومع ذلك فإن ( كينز ) لا يرى أي (( سبب واضح يبرر تبني اشتراكية دولة تشتمل على القسم الأكبر من وسائل الإنتاج وإذا تمكنت من تحديد الحجم الإجمالي للموارد المخصصة لزيادة هذه الوسائل، والمعدل الأصلي للمكافحة الممنوحة لمقتنيها فإنها تكون قد قامت بكل ما هو ضروري )) ومع ذلك فإن ( كينز ) لا يمنع من تطبيق تدابير اشتراكية شريطة أن لا يهدم ذلك التقاليد العامة للمجتمع، وتأسيساً على هذا فإن وجود مؤسسات توجيهية مركزية لازمة لتأمين الاستخدام التام يؤدي بالضرورة إلى توسيع تلك الوظائف التي تقوم بها الدولة.
ومن خـلال العرض السابـق يتضح لنـا أن ( كينز ) قـد استطاع وببراعة أن يهدم القواعـد الأساسية الاقتصادية للنظام الحر وبصورة أرغمت ألد خصومه بالاعتراف له بالفضل، وتركت تأثيرها على المفكريـن الاشتراكييـن والتقدمييـن من كـل الاتجاهات باستثناء الاتجاه الوحيد الذي لم تؤثر فيه هذه الأفكار وهم الاشتراكي