من نحن - اتصل بنا

رباح آل جعفر يكتب: عبد اللطيف الهميّم : للقصة بقيّة

بعض الرجال يمرّون في الحياة كما لو أنهم لم يمرّوا :
” يمرّ غيرك فيها وهو يحتضرُ
لا برق يخطف عينيه ولا صورُ ..
يمرّ غيرك بعض العابرين على
بطونهم يثقلون الأرض إن عبروا ”
بعضهم تتوقف عندهم الأزمنة ، وتنحني لهم الهامات ، وتكتب اليراعات ، ويسيل المداد ، وتدبج الأقلام ، وتنشر الصحف ، وتبكي في وداعهم مثلما الجبال تبكي على الجبال .
وثمّة رجال تظلمهم أحكام الناس أو تظلمهم مروءتهم . في مواقع كثيرة كان الشيخ الدكتور عبد اللطيف الهميّم مظلوماً ، موجوعاً بحجمه ، مصاباً في قلبه ، مجروحاً في كبريائه ، باحثاً عن ذاته ، مختلفاً مع أعزّ ناسه ، وأحياناً يختلف مع نفسه .
عبد اللطيف هميّم لا يرتاح ولا يدع أحداً من حوله يرتاح . حكايته لا تصلح أن تكون إلا فصلاً من كتاب حكايته . يشتهي وطناً والوطن مذبوح ، وينام في عين العاصفة ، ويمشي على شظايا من الزجاج المطحون ، ويغلي كالمرجل ، ويؤمن أن انحطاط هذه الأمة ليس قدراً . في قلبه دفء حلم ، وفي عقله الهام فكرة ، وفي ضميره كرامة مشروع عربيّ يمتد من طنجة إلى رأس الخيمة .
عرفته في زمن الشهامة والمروءة والنبل . زمن المغامرين والمحرّضين على ركوب البحر وارتكاب الأحلام الكبيرة . صحبته عمراً بكامله ، وأحسب أنني كنت ولا أزال من أقرب الناس إلى فكره وضميره . والصداقات عند عبد اللطيف الهميّم تُشترى بالفهم لا تُشترى بالمال .
يقرأ كثيراً ويحفظ ما يقرأ ، ويعتقد أن ذاكرة كل إنسان كتاب مستقل بذاته . يسمع منك لكنه يجادلك . يصوّب ، ويصحّح ، ويدقق . يستطلع ، ويستكشف ، ويستدرك . يبحث عن اللؤلؤ في القاموس ، ويسفح العقيق من المعاني ، وينتشل البللور من الشعر ، ويستولد مطلع صبح جديد ، ولا يواري ضميره في الاستعارات والمجازات اللغوية ، ويدفع لحرية الرأي من تكاليف وضرائب ما هو عزيز وغال .
في أعوام التسعينات وبينما كان الحصار الاقتصادي شديد الوطأة يضغط على حياة الناس تكفل عبد اللطيف الهميّم بمشروع إنساني كبير يمنح المئات من الفقراء رواتب شهرية على نفقته الخاصة استمرت تجري لسنوات طوال . كنت شاهداً في ذلك الزمن . وكان الهميّم يحاول أن يدفع عنهم وحشة الفقر ، ويحميهم من رياح الغدر . ليست هذه صيغة مبالغة إنما وصف حقيقة .
أذكر في ليلة من ليالي الشتاء اتصل بي وكان الوقت متأخراً . كان عاتباً وغاضباً ، وقلما يتسلل إلى نفسه العتب أو الغضب . قال لي ونحن جلوس في باحة بيته الفسيحة نحدّق في المآذن المضيئة تعانق لآلئ السماء :
هل تعرف ما هو أملي في الدنيا ؟!.. أملي أن أخرج من هذه الدنيا لا لي ولا عليّ : ربّ كما خلقتني .
كان في أعماقه يشعر بشلالات من حزن لا تستطيع أن تعبّر عنه الكلمات . وجدته يسكت مبللاً بدموعه أمام لحظة شجن عاطفية ، ويحاول أن يمسح دمعته بطرف خفيّ من كوفيّته ، بعدما تبلّلت كل مناديل القلب .
يومها تذكرنا كلانا مشهداً عن الشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري ، فعندما ألقى رائعته ” المتنبي ” في قاعة ابن النديم ببغداد أعوام السبعينات ، وقرأ هذا البيت : ( الله يا كم تغرّبنا وكم بلغت … منّا الهمومُ كما لم يبلغ الكبرُ ؟! ) اختنق صوته بالعبرات وأجهش بالبكاء ، فصفق له الجمهور طويلاً ، وانحنى لعاصفة من التحية وهو يردد : ” لا بأس .. فلنبكِ قليلاً ربّما طهّرنا البكاء ” !.
كانت الكلمة الحلوة لمسة الترف الوحيدة في حياته ، يتلقفها بقلبه ، وينزف لها آخر ما في شرايينه من الدم ، ويقطر ما في روحه من الضياء ، بجلجلات من بهجة وفرح ، حدّ أني كنت أسمع وجيب قلبه !.
من مكتبة عبد اللطيف الهميّم استعرت نصف مكتبتي ، قرأت ” فصل المقال ” لابن رشد ، و” المدينة الفاضلة ” للفارابي ، و” القانون ” لابن سينا ، و” اللمع ” للأشعري ، و” الجمهورية ” لأفلاطون ، والأدب الرمزي المفلسف ، ومدارس علم الكلام ، والذخائر والفرائد والنفائس من الكتب . مثلما قرأت جلال الدين الرومي ، وفريد الدين العطار ، وعمر الخيّام ، وأرسطو ، وبطليموس ، وابن باجة ، والشافعي ، والتوحيدي ، والطبري ، وابن القيّم ، والجويني ، ورنيه ديكارت ، وهيجل ، وفرنسيس بيكون ، ومكيافيللي .. واستعرت المجلات والمجلدات عن طاغور ، وشيلي ، ونيرودا ، وايلوار ، وبودلير ، ورامبو ، وفكتور هيجو ، ولوركا ، وماياكوفسكسي ، وتولستوي ، والبير كامو ، وسارتر ، وسعدي الشيرازي ، وقائمة طويلة من ببلوغرافيا الكتب وينابيع المعرفة ، وليس سراً أن أصدقاء عبد اللطيف وصحابته الحقيقيّين كانت ولا تزال هي هذه الرفوف من الكتب .
كان الكتاب عذاباً ولم يكن ترفاً . وكنا ندخل في نقاشات صاخبة عن كتب الموازنة بين الجاهلية والإسلام ، أو بين جرير والفرزدق ، أو بين الأمين والمأمون ، أو بين المعتزلة والأشاعرة ، أو بين المتنبي والمعري ، أو بين الرصافي والجواهري ، أو بين حافظ وشوقي . وكان الشيخ الهميّم أشبه بأبي عمرو بن العلاء ، الذي نقل عنه ياقوت الحموي ، أن دفاتره كانت ملء بيته إلى السقف . وكان يضع لطه حسين زاوية واحدة في مكتبته ، وللعقاد زاويتين ، وثلاث زوايا لابن خلدون ، ويقنعنا بضرورة الحوار ، والتأمل ، والتفكر ، والتدبّر : لعلّ وعسى !.
وكان من طبعه أن ينهض من مكانه ويقف بطوله ، ثم يجوب الصالة ذهاباً وعودة كلما كان الأمر يتعلق بنقاش ، وينقلنا من البراءة إلى الشك إلى الحقيقة . ومن نظرية السببيّة عند الإمام الغزالي إلى نظرية النسبية عند أينشتين ، ومن حي بن يقظان لابن طفيل إلى دانيال دوفو لروبنصن كروزو ، في دنيا من الحروف والقراطيس والأوراق .
أذكر أننا في إحدى المرات سهرنا حتى نجمة الصبح حين سألته عن رواية ” الغرانيق ” المشهورة ، التي دار حولها جدل عنيف حتى في أيام النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن بعده .
ورواية ” الغرانيق ” والجدل وما دار حولها ، مسألة استوقفت الكثيرين من كتّاب السيرة طوال أربعة عشر قرناً ، وتصدّى للبحث فيها مئات المؤرخين والدارسين والمستشرقين ابتداء من ” ابن اسحق ” ، و ” ابن سعد ” ، و ” الطبري ” ، إلى ” أحمد أمين ” ، و ” طه حسين ” ، و” ماسنيون ” .
لم يكن عبد اللطيف الهميّم جنرال حرب ولا زعيم ميلشيا. لم يكن يحلم بقصر في باريس ، ولا بقلعة على ضفاف بحر ، إنما كان يحلم بفتح نافذة على عالم من المعرفة والفكر ، ويبحث عن أفكار ورؤى دنيا جديدة ، ووطن يتسع لكل المكونات ، وأمة ترشد إذا ضلّت غزيّة . إنه يحلم بثورة على الهرطقة والدجل والخرافة والبدع والشعوذة في الدين ، ويطالب بإسقاط مزوّري التاريخ ، وبإسلام بلا مذاهب ، وبثقافة بلا نصّابين ، وبطبعة جديدة من عبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ، ويردد شعر المتنبي ، وينادي مع فولتير بالحرية ، ويعشق جان جاك روسو في العقد الاجتماعي ، ويفكر بطريقة مالك بن نبي ، ويجوس بين الثقافات مع عباس محمود العقاد ، ويقرأ توفيق الحكيم .
وكنت أقصده في الأزمنة الخوالي بحنين وشوق ، فأشعر بالصفاء الذهني والروحي ونحن نرتكب أحلاماً بمساحة وطن ، ونحلم بكلمات لا تعرف الحدود والقيود ، وكانت عيوننا قبل قلوبنا تخفق إلى قطعة من وطن عزيز .
وصفه لي مفكر فرنسا العظيم روجيه غارودي ب ( رجل انفتاح حضاري ) ، واختصره شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي بأنه ( عقل راجح مجتهد ) ، وسألني عنه الأستاذ مأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين ، وأثارت أفكاره المرجع السيد محمد حسين فضل الله ، وأهداه الشيخ جلال الحنفي أجمل قصائده ، وقال لي الشيخ محمد سعيد البوطي : إنه يكتب ويراجع التاريخ بطريقة طبيب جرّاح ، وفي يده أنواع من المشارط والمقصّات .
عبد اللطيف الهميّم مثل طائر العنقاء ، كلما اشتدت من حوله الخطوب والمحن والألغام ، يحلّق عالياً ليشتعل من جديد ، فيضيء نجمة في قلب ، أو جبلاً في خارطة ، أو قنديلاً في سماء ، بحجم زلزال .